الديـــــــن *

ربما تكون الهند هى البلد الوحيد فى العالم التى يوجد بها كل الديانات الرئيسية الحية (. وقد ولدت الديانات الهندوسية واليانية و البوذية والسيخية فى الهند ، فى حين جاءت الديانات الاسلامية والمسيحية والزدراشتية البارسية) الى الهند من الخارج. وبالرغم من أن الهندوسية هى الديانة السائدة إلا أن عدد السكان المسلمين فى الهند يفوق عدد السكان فى العديد من البلدان الاسلامية . فالهند يوجد بها ثانى أكبر تعداد للمسلمين (الإسلام)  فى العالم بعد أندونسيا وبذلك تأتى قبل باكستان وبنجالاديش .

و الهند هى مهد البوذية ، و لها أتباعً فى الصين واليابان وكوريا والعديد من دول جنوب شرق آسيا ، كذلك فهناك السيخ واليانيون والباسيون واليهود ، والذى يتبع كل منهم ملة معينة ، وربما يمثل كل من هذه الطرائق أقلية ضئيلة إلا أنهم يعدون شاهداً على طبيعة الدولة العلمانية والتقاليد العريقة التى تقوم على التعددية والتوفيق بين الديانات المختلفة. وقد أثرت كل هذة الديانات الأرث الفنى والأدبى فى الهند.

الزراديشتية:

البارسيون (Parsis)هم سلالة الفرس الذين هاجروا الى الهند فى القرن الثامن الميلادى بعد غزو العرب لايران وجلبوا معهم الديانة الفارسية القديمة التى أسسها زرادشت فى القرن السادس قبل الميلاد ، وتقوم هذه الديانة على عبادة " اهورا مازدا " الإله الحكيم - الذى هو فى صراع دائم مع " اهريمان " قوى الشر ، ويحتوى الكتاب المقدس للبارسيين وهو الـ "زيند افيستا " (The Zend Avesta)على أغنيات كتبها زرادشت.

وقد توطن البارسيون فى الساحل الغربى للهند ، وتحدثوا اللغة الجوجاراتية وكانوا فى منتهى الحرص على اتباع تعاليم دياناتهم بشكل فيه بعض المغالاة ، وفى معبدهم المقدس كان من اللازم إبقاء الشعلة المقدسة تحترق دائماً .

ومازال الباريسيون يحتفظون بالعديد من السمات الجسمانية الخاصة بالايرانيين سواء من حيث البشرة الزيتونية الخفيفة والأنف المعقوفة والعيون السوداء اللامعة ، وفى ديانتهم يعد منصب الكاهن منصباً وراثياً ، ويرتدى الكهنة حلل بيضاء اللون وينظر اليهم باحترام زائد . بالرغم من أنهم محافظون جداً من حيث الديانة الا أن العديد من البارسيين تمكنوا من الاختلاط بسهولة مع الآخرين فى مناطق أخرى ، وساهموا بشكل فعال فى التقدم التعليمى والعلمى والصناعى فى الهند ، كذلك فإثناء الموجة الأولى من موجات القومية الهندية خرج من بين البارسيين العديد من القادة العظام مثل دادابهى تاوروجى ، اضافة الى ذلك فأن مؤسسة " تاتا " (Tata) البارسية تعد أحد أكبر المؤسسات التجارية فى الهند قاطبة، وأحدى الشركات متعددة الجنسيات الرائدة .

اليهودية :

بالرغم من أن عدد اليهود لم يتعد 30.000 بين مئات الملايين الضخمة من سكان الهند، فأنه يوجد فى الهند جماعتان يهوديتان قديمتان ، الأولى هى سكان كوشين الذين يتحدثون المالايالية ، وبنى إسرائيل الذين يتحدثون اللغة الماراتية ، ويبلغ عدد اليهود فى الهند اليوم حوالى خمسة آلاف نسمة. ويقع أقدم معبد يهودى (Synagogue) خارج أسرائيل فى ولاية كيرالا (Kerala). والجدير بالذكر ان اليهود قد هاجروا الى الهند منذ ما يزيد على ألفى عام .

الهندوسية :

عادةً ما يشار الى الهندوسية بأنها أسلوب حياة أكثر منها ديانة ، إذ ليس لها مؤسس محدد ولا كتاب مقدس ولا كنيسة منظمة ، وتضم الهندوسية عدداً ضخماً من المعتقدات التى تتراوح بين أكثر الأفكار الميتافيزيقية تجردا حول الحقيقة المطلقة وحتى العبادات. وتتواجد مبادىء التوحيد المطلقة جنباً الى جنب مع الأفكار المجردة والعبادات الشعبية المختلفة ، ولاتلزم الهندوسية أتباعها بزيارة معبد أو ممارسة شعائر معينة بل أن بها مساحة كبيرة من المرونة فى الأمور الشخصية والتصرفات الفردية.

والهيكل الهندوسى للإلهة فسيح جداً ويشمل الثالوث براهما - الخالق - فيشنو - الحامى - وشيفا (Shiva)- المدمر . وراما وكريشنا هما تمثيل لفيشنو وهناك آخرون ممن يضعون الآلهه من النساء فى مرتبة أعلى مثل الآلهه كالى وشاكتى وهما تمثلان الطاقة الكونية .

والواقع أن هذه الديانة توصف (بالسنسكريتية) (Sanskrit)بأنها القانون الكونى الأبدى الذى يحافظ على البشرية ، ويمكن تتبع أصول الجزء الأكبر من هذا القانون " دهارما " فى ترانيم الـ فيدا (Vedas) والـ اويانيشاد(Upanishads) وهى الحوارات الميتافيزيقية فى النصوص الفيدية ، وهذا هو السبب فى تسمية هذه الديانة فى بعض الاحيان بالديانة الفيدية ، والآلهه التى تخاطبها هذه الترانيم هى " إندرا " ( إله المطر ) و أجنى ( إله النار ) وفارون ( إله المحيط) واوشاس ( إله الفجر ) ، ورودرا ( وهو إله قاسى دائم العويل ) .

والـ " اوبانيشاد " هى أيضاً تعبير عن الطاقة الفكرية الهندية فى أفضل صور إبداعها وكل التأملات الخاصة بالـ "أتمان" أى "الذات" و الـ " براهمان" أى الحقيقة الكونية كلها موجهة لحل غموض الوجود الانسانى.

وقد تبنت الفلسفة البوذية العديد من المفاهيم الموجودة فى الـ " اوبانيشاد " وألتزمت بها. ففى الـ أوبانيشاد نجد للمرة الأولى فكرة إعادة الميلاد وتمجيد الـ " موكشا " وهو هدف التحرر من دائرة إعادة الميلاد.

وتمثل الملاحم (epics) المرحلة الثانية فى تطور الديانة الهندوسية ، فالملحمتان الشهيرتان الـ رامايانا (Ramayana) والـ مهابهاراتا (Mahabharata) واللتان كتبتا فى الفترة ما بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادى قدمت فكرة إتخاذ الإله الأعظم شكل بشر حتى يتدخل فى شئون العالم ، وكانت تلك الأفكار من شأنها طمئنة أتباع تلك الديانة فى المواقف الصعبة التى ألمت بهم ..

إن أشهر حوار روحى فى الهند هو " بهاجاد جيتا " (Bhagwad Gita) ، المعروف بين العامة باسم "جيتا " وهو متضمن فى نص الـ مهابهاراتا فى شكل نصيحة من الإله كريشنا البطل " أرجون " الذى لايعير إلتفاتاً للنصح ، فعلى المستوى السطحى فإن " المهابهاراتا " هى قصة خلاف عائلى مأسوى تطور الى ان اصبح حرباً مدمرة ، ولكن على المستوى الاعمق ترى أن " جيتا " تحول الى كناية عن الصراع الكونى بين الخير والشر ، وتشتهر جيتا بفكرتين أساسيتين ، الاولى هى " نيشكام كارما " وهى أداء الواجب دون انتظار مقابل ، والثانية هى استسلام الذات أمام الإله لضمان النجاة ، ويمكن تتبع أصول " باكتى " (Bhakti) أو طريق الاخلاص فى العبادة الى هذه الأفكار .

عاد " أدى شانكار " (Adi Shankar)وهو براهمانى ولد فىكيرالا فى القرن السابع بعد ميلاد المسيح الى " أوبانيشاد " لتطهير " سانتان دهارما " من الدنس الذى زحف عليها ، وتعرف إعادة الصياغة تلك بـ " فيدانتا " (Vedanta) وأقرب ترجمة لهذه الكلمة هى "مابعد فيدا" ، أما المفهوم الرئيسى الذى استكشفه فهو " مايا " أو العالم على أنه وهم وبعد كسر هذا الوهم تتبدى ملامح التوحد بين الذات والحقيقة الكونية العليا . وقد تم أعطاء هذه التعاليم أسم الـ "أدفيتا".

لم تكن الأغلبية العظمى من السكان مهتمة بالمجردات مهما كانت درجة تأثيرها أو غموضها فقد كانوا فى حاجة الى إله خاص يرجعون اليه طلباً للسلوان والأمل ، وحتى البوذية وهى عقيدة عقلانية فى اساسها إضطرت الى خلق مفهوم " بوهايساتفاس " وهى الأرواح الطيبة المستنيرة التى تؤجل خلاصها من أجل مساعدة الآخرين ، وكان هذا بغرض جذب جموع الناس ، وظهر تيار عبادة قوىفى الوقت نفسه يعتمد على الميتافيزيقيات أثناء فترة جوبتا. .

ويرجع تاريخ أولى المعابد الهندوسية الى هذه الفترة وكانت تلك هى فترة ميلاد " بهاجفات دهارما " وفى القرون التى تلتها اكتسبت قوة كبيرة وانتشرت فى طول البلاد وعرضها ، وكانت تلك هى الركيزة الاساسية للديانة الهندوسية الحديثة ، وتجمع كتب يورانا (Puranas)القصص الميثولوجية التى تسرد مآثر الإلهه المختلفة الذين حلوا محل المعبودات القديمة عند نهاية الألفية الأولى لميلاد المسيح .

النظام الطبقى :

كان المجتمع الهندى ، قبل الغزو الأرى مجتمعا يميل نحو الأم ، فى ظل عبادة الألهة الأم .

بدأت فكرة المجتمع الهرمى المقسم على أساس الميلاد أول مابدأت فى " ريجفيدا " وأحد أبيات الشعر الشهيرة - بوروشاسوكتا - تفضل كيفية تقسيم المجتمع الى أربعة " فارنا " والكلمة يمكن ترجمتها الى " ألوان " ممايرجح أن التقسيم فى البداية كان على أساس لون البشرة بين الأريين ذوى البشرة الفاتحة وغيرهم من ذوى البشرات الداكنة ، وهذا الحديث الشاعرى يحدثنا عن طبقات مختلفة تنبع كلها من مصدر واحد وهى الجسد الحى لإنسان عملاق وكل طبقة تحدد لها مهمة محددة واسلوب تعامل ، فمثلاً نجد " البراهما" أو القساوسة ولدوا من الفم والـ " كشاتريا " أو المحاربون من الزراعين ، " الفلشايا " أو التجار من الفخذين والـ " شودرا " أو القائمين بأعمال وضيعة من القدمين .

ومن الواضح هنا أن الطبقة لم تكن فى البداية تتحدد بالميلاد ولكن بالمهنة ، وكان النظام يهدف الى خلق فواصل بين الفئات على أساس العمل ، إلا أنه لم يكن يوجد تقسيم محدد الأبعاد ، وتحكى أحد الأبيات الشعرية الأخرى فى ريجفيدا عن شاعر براهمى كانت أمه تقوم بطحن الحبوب وبمرور الوقت بدأت فكرة الطبقة ترتبط بالميلاد ، وبدأت كذلك فكرة البناء الهرمى للمجتمع تتخذ شكلها المعروف .

فى حين أن " فارنا " هى النموذج الرسمى المرجعى ذو الأساطير و الوحدات الاجتماعية فإن الحياة اليومية تعتمد على نظام " جاتى " والذى يشمل إختلافات من الثقافة والدين والعرق واللغة ويسمح بوجودها معاً جنباً الى جنب بل ويشجع اعتمادها على بعضها البعض.

وهو يضمن وجود مجتمع ديناميكى ومتحرك ، يتكون من مجموعات إجتماعية منتشرة تنشأ طبقاً لظروفمختلفة ، وكل مجموعة لها وظيفتهاومحيطها الاجتماعى ، ولكل فرد مكانه المعروف داخل هذه المنظومة ، كأن هذه المنظومة لم تكن البناء الساكن لـ " فارنا " بل السيولة المتدفقة لـ " جاتى " حيث تتدافع القوة والثروة مع الأسطورة والنص .

وتحدد المفاهيم القوية عن الطهر والدنس والعلاقات بين الـ " جاتى " وتحكم كذلك تبادل البضائع ، وتحصر الزواج فى داخل كل طبقة ، وتحكم وظائف الافراد خشية التأثير على الدهارما – نمط السلوك –للجاتى.

وكان " جاتى " هو أهم الاعتبارات فى مسالة اختيار الوظيفة أو الزواج التقليدى ، فى حين أن نظام " جاتى " بدأ يفقد قوته فى المدن والقرى إلا أن الضغوط السياسية فى دولة ديمقراطية شدت من أزر اتجاهات الولاء الرئيسية فى داخل هذا النظام الطبقى .

 البوذيــــة :

 

 

ولد الأمير سيدهارث مؤسس البوذية قبل ميلاد المسيح بسبعة قرون فى منزل الأمير شودهودهانا رئيس قبيلة ساكيا فى دولة ليكشافى ، ولم يرغب الأمير الصغير فى أن يقضى حياة المتعة والدعة ولم يكن متحمسا فى خلافة والده فى المنصب الذى يشغله وحتى بعد أن تزوج وأنجب ولداً ظلت معاناته على أشدها ، وفى أحد الأيام ترك القصر ونبذ العالم بحثاً عن

المعرفة التى قد تمكنه من الخلاص من بؤس الحياة ، وظل على وجهه هائماً بحثاً عن المعرفة ومارس العديد من الطقوس العنيفة لضبط النفس وكبح جماحها ، وبعد مرور سنوات عدة من التأمل الطويل وصل فى النهاية الى الهدف الذى وضعه لنفسه اثناء جلوسه تحت شجرة على شاطىء نهر " نيرانجانا " ومن هذه اليوم صار يعرف باسم بوذا (Buddha)- الرجل الحكيم .

وسافر بعد ذلك الى سارناث بالقرب من فارناسى ، وألقى أول موعظة له على خمسة أفراد شاركهم فيها تجربته فى الوصول الى الخلاص ، ولخص لهم فى كلمات بسيطة المفاهيم التى صارت بمرور الوقت أحد أعظم الديانات فى العالم .

ويمكن تلخيص تعاليم بوذا فى كلمات بسيطة وواضحة فهى تعرف بإسم الحقائق الأربعة النبيلة(Four Noble truths) ، فالوجود الإنسانى يملؤه البؤس ، وسبب هذا البؤس الارتباط فالناس تعرف البؤس بسبب المرض فالشيخوخة والموت ، كذلك ففراق الأحباب ومعاشرة من تعافهم النفس يسبب الشقاء للإنسان ، ومن أجل التغلب على البؤس يجب القضاء على السبب الأساسى ، فيمكن مثلاً التغلب على الارتباط عن طريق بذل الجهد للوصول الى مرحلة التوازن ، وقد شرح بوذا الطرق الثمانى للوصول الى راحة البال ، فقد كان يرى أن التقشف والتنسك المبالغ فيهما ليس ذوى فائدة ، كذلك فإن تعذيب الجسد لايؤدى الى الخلاص ، وطالما قارن بوذا بين الجسد والآلة الموسيقية الوترية الـ "فينا" (Veena)إذ يمكن لهذه الآلة عزف أفضل الانغام إذا ما لم تكن الآوتار مرتخية ، وكذلك إذا لم تكن مشدودة لنهايتها.

ولهذا يعرف هذا الطريق بطريق الوسطية ، وأكد بوذا أن التعاطف هو أكبر وأهم فضيلة وأدان الزيف الذى يفرغ الشعائر والطقوس من كل معنى .

واستخدم بوذا لغة " بالى " (Pali)التى استخدمتها العامة ولم يستخدم السانسكريتية (Sanskrit)التى كانت تستخدمها الطبقة المتعلمة فقط لنشر رسالته. وكان الكتاب المقدس الذى بشر به هو الإنسانية وحاول تنقية المجتمع من الشوائب التى أفرزها النظام الطبقى ، وقد انتشرت تعاليمه بين جموع الناس أثناء حياته وظلت كذلك بعد وفاته .

ويعد الامبراطور أشوكا (Ashoka) المورى (273-232 ق.م) أعظم رعاة البوذية وقد قام بأرسال أرساليات الى كل من سيرلانكا ومصر والصين وأفغانستان وميانمار و جنوب شرق أسيا لنشر البوذية ، ومنذ ذلك الحين تأصلت جذور البوذية فى أسيا.

قام الإمبراطور " كانيشكا " (Kanishka) فى القرن الأول بعد ميلاد المسيح بعقد إجتماع للمجلس الاعلى للبوذية ، إذ كان هذا لامبراطور أحد رعاة الديانة ، وكان هذا الحدث بداية انقسام البوذية الى فرعين هما " ماهايانا " (Mahayana) وهى تشمل مفهوم " بودهيساتافا " وهو مخلوق مرهف الحس تخلى عن خلاصه الشخصى حتى يساعد الآخرين ، وكذلك بعض العناصر الايمانية الأخرى المعروفة فى الهندوسية ، أما الشق الثانى وهو " هينايانا " (Hinyana) فقد احتفظ ببساطته الاصلية ، وركز على الأمور العقائدية.

ومع انتشار البوذية بدأت الـ " ماهايانا " تضرب جذورها فى التبت (Tibet)ونيبال ووسط آسيا والصين واليابان فى حين دخلت " هينايانا " فى ميانمار وسريلانكا و تايلاند. و خلال العصور الوسط حدث نوع من الاحتكاك بين البوذية وفلسفة وطقوس الـ " تانترا " Tantra)) ( الشعائر الخفية ) فى شرق الهند وأدى هذا الى ظهور الـ " فاجرايانا " .

اليانيـــــــة :

يعرف مؤسس اليانية بـ " ماهافير " وقد ولد قبل ميلاد بوذا بوقت قصير وقام بالتبشير بتعاليمه تقريباً فى نفس الوقت مع بوذا ، بالرغم من أسمه الحقيقى هو " فاردامان" إلا أنه يعرف باسم ماهافيرا (Mahavira) والتى تعنى البطل العظيم وقد كانت هناك العديد من الأشياء المشتركة بينه وبين بوذا ، فكلاهما ينتمى لطبقة الملوك ، ومر كلاهما برحلة طويلة وصعبة للسيطرة على النفس بعد نبذ الحياة المادية ، كذلك فكلاهما رفض فكرة المجتمع الطبقى ، ونظراً بعين الشك لهالة القداسة التى كانت تحيط بالـ فيدا. .

وتعد فكرة قهر الذات – وهى سائدة فى كل الديانات – ذات أهمية عظمى فى اليانية فحتى كلمة " جانيا " مشتقة من " جينا " والتى تعنى القاهر ، ونظراً لأن اليانية حملت فكرة قهر الذات الى أقصى درجاتها فقد اعتبرت أكثر الديانات زهداً وتقشفاً ، ولايوجد مكان للألهة فى هذا النظام ، وبالرغم من قبول آلهة الهنودس إلا أنهم يحتلون مرتبة اقل من مرتبة الـ " جينا " وهم الوحيدون الجديرون بالعبادة فى هذه الديانة ، وعلى الرغم من أن "ماهافيرا " معروف بأنه مؤسس الديانة الا أنه من المعتقد أنه يحتل المركز الـ24 فى سلسلة طويلة من الـ " جينا " ، ومن المعروف أنهم جميعاً بلغوا ذروة الحكمة بعد كبح شهواتهم ، وقطع علاقاتهم بالعالم المادى ، وكذلك يعرف الـ " جينا " بأنهم تيرثانكاراس - وهى تعنى من يسهلون المرور - والمرور هنا يشير الى المرحلة الانتقالية بين الحياة الروحية ، أو بمعنى أصح من الرق الى الحرية .

ولاتنكر اليانية فقط فكرة الإله التى تسود معظم الديانات بل أنها تنكر وجود حقيقة واحدة مطلقة ، وهى تعتبر أن كل كائن حى فى هذا العالم روح مستقلة أو " جيفا " (Jiva)، وفى هذا العالم تتخلل الروح فى العديد من الماديات عن طريق عمل الـ " كارما " ((Karma)ومن أجل الوصول الى الحرية يجب اتخاذ طريقة مزدوجة وذلك عن طريق وقف جزيئات الـ " كارما " وكذلك لفظ كل جزيئاتها التى لطخت الروح ، ويمكن عمل هذا فقط عن طريق الإيمان الصحيح ، والمعرفة الدقيقة و السلوك القويم ، وهى الجواهر الثلاثة فى الديانة اليانية .

ويعرف السلوك القويم على أنه لفظ كل صور البهتان والسرقة والرغبة والجشع والعنف ، ومن بين هذه الآثام الخمسة يعتبر العنف أكثرها بشاعة ، وفى المقابل تعد الفضيلة الكبرى هى نبذ كل فكرة أو تصرف يمكن أن تؤدى الى إيذاء أى كائن حى ، أهيمسا بارمو دهارما (Ahimsa Parmo Dharma) فاللاعنف هو الديانة العظمى وهو الشعار اليانى الذى استخدمه المهاتما غاندى (Gandhi)، وكما يحمل أتباع اليانية تقشفهم الى ابعد الحدود فهم يعملون نفس الشىء مع اللاعنف ، فقد شوهد رهبانهم وهى يرتدون أقنعة قماشية خفيفة على أفواههم وأنوفهم حتى يتأكدوا من أنهم لن يأذوا الجراثيم أثناء عملية التنفس .

 الإســــلام :

بدأت رحلات التجار العرب الى الهند فى القرن السابع الميلادى , وشيئا فشيئا قام العرب بعدد من الغزوات المتتالية للهند حتى قامت أول مملكة إسلامية فى دلهى قرب نهاية القرن الثانى عشر ، وقام المسلمون تدريجيا بتوسيع نطاق حكمهم شرقاً وجنوباً.

وفى المرحلة الأولى كان الحكم الإسلامى فى الهند ذى صبغة شديدة ، غير أنه لم يمضى وقت طويل حتى بدأت الأمور تتغير. وقد كان للمتصوفة (Sufis)المسلمين أكبر الأثر فى نشر رسالة الإسلام عن الحب الكونى وتخفيف حدة الإتجاهات المتشددة فى الإسلام ، وكانت هذه الرسالة السامية تنتشر اساساً عن طريق الشعراء الفارسيين الكلاسيكيين خاصة " الروم " الذى عبر عن روح الصوفية (Sufism) عن طريق رموز وصور جميلة ، وكانت الفارسية دون العربية هى لغة البلاط خلال فترة الحكم الإسلامى ، وكان شعراء الصوفية ذائعى الصيت فى الهند طوال فترة العصور الوسطى .

وقد هاجر العديد من القديسيين المتصوفين (Sufi) الى الهند واستقر بهم الحال بها ومن بينهم معين الدين شيشتى(MoinuddinChishti) من أجمير ، ونظام الدين علياً (Nizamuddin Auliya) من دلهى ، وقد كان الإثنان لهما بالغ الإثر لدرجة أن هناك احتفالات سنوية تقام دوماً لتكريم ذكراهما ، وقد كان أمير خوسرو (Amir Khusrau)وهو شاعر وموسيقى ومؤرخ أحد تلاميذ نظام الدين ، وقد عرف خوسرو بأنه أحد الشعراء الفرس الكلاسيكيين ، إلا أنه كتب ايضاً شعراً دينياً بالهندية ، وكان أحد مؤسسى اللغة الاوردية ، وكانت معظم أعماله تعكس الروح السائدة لتوحيد الهندوسية والإسلام ، وقد واصل السعى الى محاولة التقريب بين الإسلام والهندوسية إثنان من العظماء هما " كبير " (Kabir)و " ناناك (Nanak).

وقد ساهمت روح الأخوة التى بشر بها الإسلام على تخفيف حدة النظام الطبقى (Caste System)، وقد أدت بساطة ومباشرةالإسلام بالعديد من الهندوس لإعادة النظر فى الشعائر التقليدية ، وقد وجد هذا التفاعل بين الديانتين تعبيراً جمالياً فى الشعر والموسيقى والمعمار .

السيــــــخية :

ولد ناناك (Nanak) مؤسس السيخية فى أسرة هندوسية فى البنجاب ، وقد ولع منذ طفولته بأعمال الشعراء القديسيين الذين شغلوا بالتقريب بين الهندوس والمسلمين ، وقد قام بالعديد من رحلات الحج الهندوسية ، وكذلك قام بالحج الى مكة قبلة المسلمين ، ووصل ناناك بعد بحث الى نتيجة مؤداها أنالأسس التى تقوم عليها تعاليم الديانتين واحدة وكرس حياته من ثم لنشر رسالة الوحدة ، وقد أقبل الناس على دعوته وعرف فيما بعد بلقب الـ "جورو" أى المعلم ، ويدعى أتباعه " السيخ " وهى كلمة مشتقة من كلمة شيشيا فى اللغة السنسكرينية وتعنى تلميذ .

والسيخ هى ديانة توحيد ، وتعارض النظام الطبقى ، وكذلك تنبذ عبادة الأصنام ، فكل هذه الصفات توضح تاثير الإسلام بالرغم من هذا فإن أفكار كارما والبعث هى أفكار مقبولة من حيث طقوسها الدينية ، وفيها يبدو السيخ أقرب مايكون للهندوس .

وتلى " انجاد " ناناك بوصفه المعلم الثانى للسيخ وكان هو الذى جمع مقولات المعلم الأول وقدم " جوروموكهى " (Gurumukhi) على أنه الكتاب المقدس للسيخ ، أما المعلم الخامس أرجون فهو الذى بدأ فى بناء المعبد الذهبى (Golden Temple) فى أمريتسار. و قد قام كبير و بعض من القديسين الأخرين بجمع ترانيم وقصائد ناناك وغيرهم من القديسين . وقد أصبح الكتاب الأول أو الجرانث صاحب (Granth Sahib) الذى جمع بين ضفتيه هذه المادة المجموعة الكتاب المقدس للسيخ.

وقد أثار النمو المطرد لأعداد المنتمين لهذه الطائفة حفيظة المسلمين المتشددين ، لذا تم اضطهاد المعلمين السيخ الذين كانوا يدعون للألفة بين البشر والمعلم أرجوت نفسه تم إعدامه فى عام 1606م ، بعد اتهامه بإثارة الفتنة وكان لهذه الشهادة أكبر الأثر فى اقناع السيخ بضرورة وجود قوة عسكرية تمكنهم من حماية أنفسهم .

لذا قام جورو جوبيند سنج، الذى يأتى ترتيبة العاشر فى خلفاء ناناك ، بتحويل السيخ الى مجتمع قتالى ، فقدم شعائر جديدة مثل المبادرة وهى تشبه الخدمة العسكرية فى الجيش ، ومن أجل القضاء على الظلم قرر إنهاء عملية خلافة المعلمين ، وطلب من أتباعه النظر الى جرانث صاحب على أنه السيد الوحيد والشىء الوحيد الذى يستحق التبجيل .

وبالرغم من أن السيخ يكونون اقل من 2% من سكان الهند ، إلا أن سماتهم الجسمانية وملابسهم تميزهم عن الآخرين ، فهم يتميزون بالطول والقوة الجسدية ، ويطلق الرجال ذقونهم ويلبسون عمائم على شعورهم الطويلة التى لايحلقونها أبداً ، ويعتبر كل فرد من أفراد السيخ أن أرتداء " كارا " وهى سوار حديدى فى المعصم الأيمن واجب دينى وهناك العديد من التعاليم الدينية الأخرى مثل الابتعاد عن التدخين وهى تتبع بصرامة .

المسيحية :

المسيحية فى الهند قديمة قدم القديس توماس أحد حوارى المسيح الأثنى عشر (Saint Thomas, one of the 12th Apostles of Jesus Christ)، الذين وفدوا الى كيرالا (Kerala) و جلبوا معهم المسيحية الى الهند بعد وفاه المسيح مباشرة. وقد توفى القديس توماس فيما بعد فى ولاية تاميل نادو ودفن فى مدينة تشيناى . و تعود اصول الكنيسة المسيحية السورية فى الهند الى القديس توماس. و تشير بعض المصادر الى أن القديس بارثوليميو هو أول من بشر بالديانة المسيحية فى الهند ، وقد أشار المؤرخون اللاتينيون فى العصور الوسطى تكراراً الى المستوطنات المسيحية فى الهند ، غير انه من الناحية التاريخية يمكن اعتبار أن الأنشطة التبشيرية المسيحية بدأت فى الهند بمقدم القديس فرنسيس رافير فى عام 1542 ، والذى يزور الآلاف من الكاثوليك قبره فى جوا كل عام .

وقد اتبع المبشرون البرتغاليون القديس فرنسيس رافير ، وزار بعضهم بلاط أكبر بل أن البعض منهم بلغ طموحه حد محاولة تحويل الامبراطور الى أعتناق المسيحية ، وبعد ذلك بدأت العديد من الدول الكاثوليكية إرسال بعثاتها التبشيرية الى الهند ، وفى القرن الثامن عشر بدأت الإرساليات التبشيرية البروتستانتينية خاصة من الدنمارك وهولندا والمانيا توافدها الى الهند ، إلا أن الفتح البريطانى للهند أعطى الكنيسة الانجليكية اليد العليا على الآخرين .

وبدأت المسيحية تلعب دوراً بناءً فى الهند خلال جهود رجلين هما وليام كارى والكسندر دوف ، فقد أسس كارى المعهد اللاهوتى فى سيراميور وكان شديد الارتباط بـكلية فورت ويليام فى كلكتا ، كذلك فقد أنشأ أول مطبعة وصحيفة ناطقة بالبنغالية ، أما الكسندر دوف فقد وفد الى الهند فى عام 1830 ، وسار على درب كارى فى المجالات التعليمية والأجتماعية ، وعلى أمتداد القرن التاسع عشر قامت الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية البروتساتانتينية بمساهمات ضخمة فى التعليم بالإضافة الى دورها فى نشر التعاليم المسيحية .

وقد أدرك العديد من المصلحين الإجتماعيين الهنود مثل كيشاب شاندرا سين من " براهما ساماج " أن المسيحية قد أثرت الحياة الدينية فى الهند بأشكال عدة ، وقد عاش الصوفى " راماكريشنا " كمسيجى لعدة أشهر .

ويعتبر الشاعر الهندى المسيحى مايكل مادهودوسن دوت أحد رواد الشعر البنغالى الحديث ، وقد استقى فكرة أحد أهم قصائده من " رامايان " وفيما بعد اشاد طاغور بالسيد المسيح فى العديد من قصائده ، وتأثر المهانما غاندى (Gandhi)إيما تأثر بالمسيحية بل طالما استشهد بالانجيل لتبرير العديد من الأعمال التى أوصل بها ، ولذا نجد أن كتاباته وخطبه مليئة بمقتطفات من المعهد الحديث والهنود المسيحيون الذين بلغ عددهم الآن حوالى 25 مليون يمثلون مختلف الطوائف المسيحية من الرومان الكاثوليك الى الميثودية والمعمودية والمشيخية والمارونية وغيرها