تحديات وطموحات مشتركة
بقلم : د. فتحى عبد الفتاح
العلاقات المصرية الهندية لا تمتلئ فقط بعبق
التاريخ الحديث المشترك للبلدين ، ولكن العلاقات المعاصرة أيضاً تعبر ليس فقط عن
تعاون بين بلدين كبيرين يمثل كل منهما ثقلاً إقليمياً خاصاً فى منطقته ، ولكنها
أيضاً علاقات تستمد أرضيتها من التحديات والطموحات المشتركة التى يواجهها البلدان
00
لقد كان الحلم المشترك فى الاستقلال ثم بناء
الدولة الحديثة ، بما يعنى إقامة المجتمع العصرى القادر على النمو والازدهار فى
جميع المجالات ، يمثل هدفاً أساسياً فى العلاقات بين البلدين ، ووقائع التاريخ
المعاصر غنية بالأمثلة الحية عن العلاقات المتشابكة والقوية بين البلدين .
ومن الناحية السياسية مازالت الهند ومصر تمثلان
قوة الدفع الرئيسية لحركة عدم الانحياز ، كما انهما يمثلان القاعدة الرئيسية
لمجموعة الـ15 ، وهى مجموعة الدول التى قررت توسيع قاعدة التعاون الاقتصادى
والتكنولوجى فيما بينها .
ومن الطبيعى والأمر كذلك أن تقرر دول عدم
الانحياز فى مؤتمرها الأخير فى كولومبيا تقديم مقترحات لإصلاح هيكل الامم المتحدة
وخاصة مجلس الأمن ، ليكون أكثر تعبيراً وتمثيلاً عن الواقع الدولى واضفاء المزيد
من الديمقراطية الدولية على قرارات المنظمة الدولية وان ترشح كل من الهند ومصر
باعتبارهما دولتين تمثلان ثقلاً اقليمياً خاصاً فى آسيا وافريقيا للانضمام الى
العضوية الدائمة لمجلس الأمن .
إ
هذه العلاقة الخاصة والمتميزة التى تجمع بين كل من مصر
والهند تعكس نفسها بوضوح فى عدد كبير من الاتفاقيات المشتركة فى المجالات
الاجتماعية والاقتصادية ، اضافة الى الجوانب السياسية والثقافية .
فالتجارة النشطة بين البلدين تتسع عاماً بعد عام
" تزيد عن 200 مليون دولار" حيث تستورد مصر من الهند حوالى 50% من
احتياجاتها من الآلات الهندسية وكذلك المواد الكيماوية والطبية ، اضافة الى الشاى
والتبغ .
وهناك اتفاقيات متعددة للتعاون فى مجال
التكنولوجيا والمعلومات وأيضاً مشروعات مشتركة للتصنيع فى مجالات الادوية وتجميع
السيارات وانتاج وتصنيع الكربون .
كما أن هناك بروتوكولات للتعاون فى مجال الفضاء
وايضا فى مجال السكان وتنظيم الاسرة .
ونظراً للتماثل الشديد فى طبيعة المشاكل التى
تواجهها البلدان ، فمن الطبيعى ان يمتد هذا التعاون الى المجالات الثقافية والفنية
، إذ جرى اتفاق بين وزيرى التعليم فى البلدين لانشاء مركز متخصص للدراسات المصرية
فى الجامعات الهندية ومركز آخر متخصص فى الدراسات الهندية بالجامعات المصرية .

وبالإضافة إلى الاتفاقيات الواسعة فى التبادل الثقافى والفنى
بين البلدين ، فإن هناك نغمة لا يستطيع أن ينكرها أحد فى التقارب الثقافى والمزاجى
للمواطن المصرى والهندى وليس أدل على ذلك من ان الافلام والموسيقى الهندية تجد
قاعدة واسعة من المعجبين بها فى مصر ، حتى ان المواطن المصرى يكاد يعرف أسماء كبار
الفنانين والموسيقيين والكتاب الهنود مثلما يعرف أقرانهم المصريين .
وقد لمست بنفسى أثناء زيارتى للهند فى أواخر
الثمانينات ان هذا التجاوب والتماثل الثقافى لا يمضى فى اتجاه واحد ، بل انه يمضى
فى اتجاهين ، إذ أنه كان من السهل ان يرصد المرء اعجاباً شعبياً هندياً متبادلاً
بالثقافة والفن المصريين .
وفى تلك الزيارة التى زرت فيها عددا من المدن
الهندية وتجولت بالسيارة فى أماكن مختلفة واخترقت الريف الهندى ، وضعت يدى بوضوح
على هذا التماثل الاجتماعى والمزاجى بين الشعبين المصرى والهندى ، وأدركت السر
وراء هذه العلاقات الحميمة التى جمعت بين زعماء البلدين فى التاريخ الحديث وتأثر
كل منهما بالآخر .
ولم يكن ثنائى نهرو وعبد الناصر يقدم النموذج
الوحيد للصداقة والتعاون الواسعين بين البلدين فقط ، بل انه نبع من أرضية مشتركة
جمعت بين نضال الشعبين الصديقين وتطلعاتهما المشتركة .
لقد كانت الهند هى أول دولة اسيوية تفرض نفسها
على قوائم جائزة نوبل للآداب وذلك بحصول شاعرها الكبير رايندرانات طاغور على
الجائزة الدولية بعد أن كانت حكراً على الأدب الاوروبى والأدب الأمريكى .

وكانت مصر ايضا هى أول دولة عربية تنتزع هذه الجائزة حينما
فاز بها أديب مصر الكبير نجيب محفوظ .
وبين ما عبر عنه طاغور فى أشعاره من تمجيد للانسان وعظمته وحريته بغض النظر عن اللون والجنس والعقيدة ، وما عبر عنه نجيب محفوظ من طموح البسطاء والمضطهدين للعدالة والتحرر ، تقوم هذه المهمة الخالدة التى ألقيت على عاتق البلدين الصديقين.