مهد الحضارات العريضة

مازالت
الفكرة السائدة لدى الكثيرين خاصة غير المتخصصين أن العلاقات المصرية الهندية قد بدأت
داخل رحم القرن العشرين أثناء فترة الكفاح فى كلا البلدين ضد عدو استعمارى واحد :
الانجليز.. وأن هذه العلاقات قد ترعرعت فى الخمسينات على أيدى الزعيمين جمال عبد
الناصر وجواهر لال نهرو من خلال حركة عدم الانحياز. ولكن التاريخ يقدم لنا من
الأدلة بما فيه الكفاية على أن هذه العلاقة قد بدأت وتوثقت قبل ذلك بآلاف السنين
منذ أيام الفراعنة!!
وعلى
امتداد الصفحات التالية، نعرض لمحاولة لتلمس خطى هذه العلاقة واستجلاء آثارها
المتبادلة، المادية منها والثقافية من خلال حضارتين من أعظم وأقدم ما عرفه العالم
طوال التاريخ، وهما حضارتا وادى النيل ووادى الأندوس.
التأثيرات والتفاعلات

منذ
ما يزيد على ألفى عام مضت أى فى القرن الثانى قبل الميلاد تم العثور على بحار هندى
فى حالة أقرب إلى الموت على أحد شواطئ البحر الأحمر حيث تم نقله إلى مدينة
الاسكندرية للمثول أمام السلطات. وهناك عرض هذا البحار السماح له بالعودة إلى
الوطن مقابل أن يرشد المصريين عن طريق بحرى مباشر إلى الهند أقصر عمن سواه. ولقى
هذا العرض صدى لدى حاكم مصر آنذاك "بطليموس يورجيتس" ذلك لأن أية رحلة
بحرية فى ذلك الوقت إلى الأراضى الشرقية كانت تستغرق الوقت الكثير والجهد الشاق،
ومن ثم كانت الصفقة مجزية! لذا أمر "بطليموس" أحد البحارة الإغريق ويدعى
"يودوكسى" بالإبحار بصحبة الهندى عبر البحار إلى الهند، وجاءت هذه
الرحلة لتمثل بداية الاتصال المباشر والتبادل التجارى بين كل من مصر والهند.
ومع
ذلك فقد بدأت هذا الاتصال مبكراً عن ذلك بين كلا البلدين، حيث تشير الدلائل إلى
حدوث هذا الاتصال فى الألفية الثالثة قبل الميلاد حينما بزغ نجم ثلاث حضارات نهرية
فى كل من مصر وأرض ما بين النهرين (حول دجلة والفرات) وعلى ضفاف نهر الأندوس فى
الهند. ويؤكد وجود نبات "الدبانيا" داخل مقابر فراعنة

مصر أن التوابل قد مثلت محور العلاقة بين مصر والهند فى ذلك
الوقت حيث أن هذا النبات
– الشبيه بما نعرفه اليوم بالكسبارة
– يعود إلى الهند التى
استورد منها
قدماء
المصريين أيضاً الأقمشة كما تؤكده نوعية القماش الذى يحيط بالموميات المصرية. ومع
ذلك فقد اعتمد هذا الاتصال بين المصريين والهنود آنذاك على طرق غير مباشرة كانت
غرب آسيا محورها وطريقها، إذ أن بعد المسافة بينهما لم يشجع فى ذلك الوقت التواصل
المباشر. ولقد أدرك المصريون قيمة الهند حقاً بعد أن انطلق الاسكندر الأكبر بجيوشه
الغازية عبر آسيا فى القرن الرابع قبل الميلاد، حينما وقعت أجزاء من البلدين تحت
نفوذ الاسكندر مما مهد الطريق لعلاقات أوثق والاتصال المباشر زاد وتوثق فى القرن
التالى عندما قام الامبراطور الهندى "أشوكا" بحماس منقطع النظير بالدعوة
إلى البوذية فأرسل الرسل إلى كبار حكام العالم القديم ومنهم "بطليموس
الثانى" حاكم مصر الذى قام بدوره بإرسال سفير له إلى بلاط الامبراطور الهندى.
وبالإضافة
إلى هذه العلاقات الدبلوماسية فلابد أن العلاقات بين البلدين قد توثقت من خلال
التجارة كما تشير الأدلة التاريخية والأدبية الموجودة لتلك الفترة، إذ تدل
المخطوطات وأشكال النحت فى مصر والهند على وجود بعض الهنود فى مدينة الاسكندرية
وأجزاء أخرى من مصر بينما عاش بعض الإغريق من أصل اسكندرانى على الساحل الغربى،
وثمة اعتقاد أن العقل المصرى قد تأثر آنذاك بالصوفية الهندية وبخاصة ما يعرف
بعقيدة "الميلاد من جديد".


وتعمقت
العلاقات بين البلدين أكثر فى ظل حكم الرومان لمصر حيث أمكن آنذاك تخليص البحر
الأحمر من قبضة القراصنة ومن ثم انطلقت الرحلات البحرية فى أمان تجاه مصر من موانى
الجزيرة العربية وجزيرة "سوكوترا" الموجودة على البحر الأحمر، وحتى ذلك
الوقت كانت السفن الهندية تقوم بإفراغ حمولتها فى موانى الجزيرة العربية حيث يقوم
العرب بعد ذلك بنقلها براً إلى مصر. وفى عام 44 بعد الميلاد اكتسبت طبيعة العلاقة
بين مصر والهند شكلا آخر وذلك بعد اكتشاف إمكانية الاستفادة من الرياح الموسمية فى
التغلب على أخطار الرحلات البحرية مما سعد على زيادة حجم التبادل التجارى بينهما
بصورة مذهلة حتى وصل عدد السفن التى تقصد الهند سنوياً لنقل العاج والنباتات
العطرية والأحجار الكريمة لمصر إلى 120 سفينة. وأخذت هذه التجارة فى الازدهار على
امتداد القرنين التاليين، وقامت مدينة الاسكندرية بدور الوسيط وحلقة الاتصال بين
الأراضى المطلة على البحر المتوسط والبلدان الموجودة فى الجنوب مثل الهند والصين.
ولكن انكمشت هذه التجارة فى القرن الثالث الميلادى بعد اضمحلال القوة السياسية
لروما، وسرعان ما توقف هذا الازدهار التجارى بالفعل واستمر هذا الحال لعدد من
القرون.

ولكن
عندما جاء الحكم الإسلامى إلى مصر زادت واردات البلاد من الأقمشة الهندية حيث تم
العثور على مثل هذه الأقمشة فى باقيا مدينة الفسطاط التى كانت عاصمة مصر تحت الحكم
الإسلامى، ويتأكد هذا الاتصال من خلال الأشكال الفنية التى اشتهرت بها الهند ما
بين القرنين الثانى عشر والخامس عشر. وثمة احتمال على قيام المصريين باستيراد
الأقمشة الهندية لاستخدامها فى عمليات المقايضة مع بعض الدول الأفريقية مقابل
الحصول على المواد الغذائية وغيرها، ويبدو أن مدينة الفسطاط كانت بمثابة المركز
التجارى رغم تقلص دورها السياسى تدريجياً، ومن المفارقات أن أطلال هذه المدينة
المصرية (التى أنشأها الخليفة عمرو بن العاص على ضواحى القاهرة) قد احتفظت ببعض
الأشكال الفنية الهندية التى لم يبق لها أثر فى الوطن الأم!!
وشهدت
الهند فى القرن العاشر الميلادى وصول التجار المصريين (حينما كان الفاطميون يحكمون
مصر) لعقد صفقات التوابل، بل إن بعضاً من هؤلاء التجار قد ظلوا فى الهند لفترات
طويلة بعيداً عن أسرهم حيث قاموا بنشر الإسلام بين الهنود. وأطلق على تجار التوابل
المصريين آنذاك اسم "البوهار"، وهى كلمة أصلها هندى تعنى التوابل، ويظل
هذا الاسم ملتصقاً حتى اليوم بأحفاد الهنود الذين اعتنقوا الدين الإسلامى على يد
هؤلاء التجار.

وإذا
كانت التجارة قد هيمنت على العلاقات بين مصر والهند طوال السنين فإن هذا التعامل
قد فتح الباب لنوع آخر من التواصل، وهو التبادل الفكرى والثقافى، وإن كان هذا
المجال لم يحصل على القدر الكافى من الفحص والتوثيق وهو جهد بلا شك يتطلب العمل
الدؤوب والمستمر من كلا البلدين. ولكن شهر سبتمبر من عام 1991 قد شهد خطوة أولى فى
هذا الاتجاه عندما استضافت القاهرة حواراً حول الأوجه المتعددة للعلاقة بين مصر
والهند منذ الأيام الأولى وحتى الوقت الحاضر.

وشهد
افتتاح هذه الندوة كل من السيد فاروق حسنى وزير الثقافة المصرى والدكتورة ناجماً
هبة الله نائب رئيس مجلس الرجيا سابها بالبرلمان الهندى. وتواصلت المناقشات على
امتداد ثلاثة أيام وكشفت عن اوجه مذهلة للتماثل والتنوع فى ثقافة وتاريخ كلا
البلدين العريقين، إذ سلطت الأبحاث المقدمة للندوة الرائدة الأضواء على التشابه
الملحوظ فى التراث الحضارى للبلدين وبخاصة فيما يتعلق بالأساطير القديمة والشعائر
الدينية والتصوير الفنى والبلاغى وفن العمارة وكذلك فى مجالى الموسيقى والمسرح
الشعبى. ولم تغفل مناقشات الندوة طرق التجارة بين البلدين والتيارات المعاصرة فى
أدبيهما، بل وامتدت لتتناول صورة المرأة والتغير الاجتماعى كما يعكسها كل من الأدب
المصرى والأدب الهندى. وتناول الحوار أيضاً آثار الاستعمار لكلا البلدين ومفهوم
عدم الانحياز كما تبناه كل من الزعيمين جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر فى
خمسينات هذا القرن.


والجدير
بالذكر أن هذه الندوة، والتى حملت عنوان "مصر والهند : علاقات تاريخية
وثقافية"، قد تناولت على امتداد ثلاثة أيام 25 بحثاً، منها بحث قدمه العلامة
الهندى "جيتى سف" الذى تناول بالعرض أوجه التشابه بين علم الأساطير فى
كلا البلدين، بينما قام باحث آخر هو الأستاذ مصطفى العبادى ببحث العلاقات الوثيقة
بين المصالح التجارية والاستكشافات الجغرافية منذ منتصف الألفية الثالثة قبل
الميلاد وحتى نهاية القرن الثالث بعد الميلاد فى مصر، حيث أوضح أهمية الحملة
البحرية للملكة حتشبسوت إلى أرض بونت وكذلك الاستكشافات التى قام بها الاسكندر
الأكبر فيما بعد ضمن حملاته العسكرية، ولم يغفل الباحث الاستكشافات التى تمت أثناء
حكم البطالمة والرومان لمصر مما ساعد على تدعيم التواصل التجارى وبالتالى التفاعل
الثقافى وكانت نفس الفترة مجالا لبحث آخر فريد من نوعه قدمه للندوة الأستاذ أم. ك.
دحافاليكار حيث قام باستقصاء أوجه الشبه بين مساند الرأس وأنواع الخرز وحبات النرد
التى عرفتها كل من الحضارة المصرية القديمة وحضارة وادى "أندوس" بالهند،
كما عرض الباحث لأدلة أدبية وأثرية تشهد بوجود هنود فى مصر والعكس صحيح.

ويتناول
بحث آخر طبيعة التفاعل الهندى
– المصرى خلال الفترة من 969-1571
ميلادية أثناء تعاقب الفاطميين والمماليك على حكم مصر، حيث جرت اتصالات بين خلفاء
مصر وسلاطين الهند، وتشير الباحثة سهير عبد العزيز سالم إلى أن الدعوة للإسلام فى
الهند كانت آنذاك محورا رئيسيا للتجارة المصرية مع الهند. وبلا شك تمثل هذه الندوة
علامة مضيئة وخطوة مشجعة لتقصى جذور العلاقات الوطيدة المصرية والهندية، والفضل
يعود إلى سعادة السفير الهندى الأسبق بالقاهرة ب. الان نازاريث (1989-1992) فى طرح
فكرة هذا المنتدى الثقافى الرائد والذى حظى بكل التأييد والمساندة من جانب وزارة
الثقافة المصرية.
وأعقب
هذه الندوة
– والتى استضافتها دار الأوبرا المصرية
– جولات سياحية
للباحثين الهنود إلى أهم الأماكن الأثرية والمتاحف المصرية بالقاهرة والأقصر
والاسكندرية مما كان له أعظم الأثر على نفوس الضيوف الهنود، وزاد من اعتزازهم بقدر
التاريخ والثقافة لدى حضارة وادى النيل.
أساطير على ضفاف نهرين :

أى
سر يكمن وراء هذا التماثل الفريد بين الأساطير المصرية والهندية القديمة؟! وكيف
يمكن للمرء أن يعثر على تفسير لهذا الابداع الذى صاغه الإنسان فى كلتا الحضارتين
لعالمه المتميز ورؤيته لواقعة وما وراءه؟ وبداية نقول إن الأساطير ليست عبارات
مقدسة أو تنزيل سماوى، بل انها صور وحكايات صاغها الإنسان ذاته ليربط بين عالمه
الصغير والعالم الكبير.. بين الأرض والسماء. وتأتى هذه الأساطير لتقدم لنا نظاماً
طبيعياً يدين له بالولاء كل من حوله حتى الآلهة ذاتها مما يوفر
– فى ذهن مبدعها
– قدراً من التنبؤ
بمسيرة الحياة، وتأصلت هذه الأساطير فى ذهن الانسان المصرى والهندى قديما ومثلت له
آمالا عريضة فى المستقبل الذى يتجاوز وجوده المادى والجسدى. وبنفس الصورة جاء
الفنان ليصيغ رؤيته على الحجر ليعمق من فهم العالم المحيط، واستخدم أجدادنا كل هذا
لينسجوا تصوراتهم لأنفسهم وإيقاع حياتهم، أى لتتابع الفصول وتتابع الليل والنهار
وحركتى الشمس والقمر، والمولد والفناء والبعث، بل وامتد هذا التصور ليشمل الحياة
النباتية والحيوانية.. كل هذا التصق ببعضه البعض بشكل حيوى وبليغ للغاية. ولقد
حظيت زهرة اللوتس بمكانة خاصة لدى القدماء فى مصر والهند لأنها كانت الزهرة
المقدسة لدى بوذا وأوزوريس، وتمثل هذه الزهرة بعيدانها الخمسة الأطراف الأربعة
للإنسان ورأسه.. بل والحواس الخمس.. والقواعد الأربع للهرم وقمته.. ويتولد المزيد
من الرموز لهذه الزهرة، إذ أن الأساطير نادراً ما تكون بسيطة ولا يمكن أبداً أن
تكون بلا هدف أو مضمون. ومنذ الرسومات الأولى لهذه الزهرة فى الهند ارتبطت فى
الأذهان "بسارى" إلهة الخصوبة والتى تحولت فيما بعد إلى
"لاكشمى" إلهة الغنى والنماء والتى يعبدها البوذيون والهندوس على حد
سواء.
أما
فى مصر فتظهر زهرة اللوتس الزرقاء فى الرسومات الجدارية للأسرة السادسة من خلال
هرم سقارة المدرج ولوحاته الجنائزية حيث تظهر فى هيئة هدية للموتى تحملها الأيدى
وكأنها تحمل فى طياتها القدرة على إعادة الموتى إلى الحياة من جديد. كما نجد هذه
الزهرة الخالدة ضمن الكنوز الجنائزية
– التى عثر عليها
بمقبرة الملك توت عنخ آمون
- منحوتة إلى جانب الصقر الذهبى والشمس،
وكلاهما يرمز إلى الإله حورس.

هكذا
تظهر اللوتس كرمز يحمل فى طياته تواصل الماء والشمس والأرض والسماء، مما يعنى
الخصوبة والنماء.. وهذا ما تأصل فى ذهن المصرى والهندى حيث آمن كلاهما
– من خلال مجتمعاتهما
الزراعية
– أن بذرة اللوتس تمثل دورة الميلاد والضعف ثم الموت والبعث بعد
ذلك. من ناحية أخرى ارتبطت الحياة فى كل من الهند ومصر بجريان نهرى
"الجنجا" و"النيل" على التوالى، وازدهرت الحضارة فيهما
اعتماداً على هذين النهرين، فلا غرابة إذن أن يضفى أهل البلدين التوقير بل
والتقديس على كلا النهرين اللذين يعدان بحق الخلفية التى نسج عليها المصريون
والهنود خيوط أساطيرهم.

وتجرى
مياه نهر "الجانجا" متدفقة من منبعه عند جبال الهيملايا وحتى خليج
البنغال لمسافة تصل إلى 2500 كم، وتخترق منطقة "أريافارتا" الخصبة، وهى
من أكثر المناطق ازدحاماً بالسكان فى هند اليوم، وتقول الأساطير إن لهذا النهر
أصوله المقدسة حيث هبطت مياهه من السماء استجابة لتضرع الحكيم
"بهاجيراثا" لتفجر قوى لخصوبة فى الأرض العطشى لآلاف السنين. ونجد لوحة
من الجرانيت تجسد هذه الملحمة على امتداد 50 قدما تقريباً تزين ميناء "ماها
باليبورام" بجنوب الهند، وثمة مجرى فى هذه الصخرة الجرانيتية تسمح بتدفق مياه
الأمطار فى صورة رمزية لأصول هذا النهر الخالد. وتحمل هذه اللوحة الضخمة صوراً
أخرى للثعابين والشمس والقمر والصيادين وحيوانات الغابات حيث يظهر الكل وقد غلبه
الحبور والسعادة لتدفق هذا النهر المقدس وهو يمد يد الانقاذ والحياة للجنس البشرى.

وتوضح
لنا الأساطير هنا وبصورة تثير العقل استخدامها لربط الإنسان بالبيئة من حوله حيث
نرى فيها وعياً شديداً بأهمية التوازن البيئى، فتحكى لنا هذه الأسطورة كيف يعلو
بخار البحر لعنان السماء ليسقط فيما بعد إلى الأرض فى شكل هذا النهر المقدس والذى
تفيض مياهه وتتدفق إلى جبال الهيملايا، لتتدفق من جديد إلى المحيط. وتأخذ هذه
الأسطورة شكلا آخر يبرز قيمة نهر الجانجا وأهميته للموتى، حيث يؤمن الهندوس أن
زيارة مدينة "بناريس" المقدسة تضمن للمرء أن يتطهر من دنس الحياة
الدنيا، وأن بضع قطرات من مياه "جانجا" على لسان المرء عندما يحضره
الموت كفيلة بأن تضمن له الخلاص. وتعتبر "بناريس" أعظم الأماكن المقدسة
لارتباطها بنهر "جانجا"، وتمثل هذه المدينة موضعاً لمهرجان فريد هو
"أكاسا ديب"والذى يقام عقب سقوط الأمطار حيث يسود الاعتقاد أن أرواح
الموتى تبدأ فى زيارة الأرض آنذاك، ويمتد نفس الرمز والمفهوم إلى مصر حيث اعتاد
المصريون أن يخلعوا على نيلهم الخالد الشكل البشرى، إذ تظهر إحدى اللوحات النحتية
بمعبد رمسيس الثانى "حابى" إله النيل وهو يحمل فى يديه عيدان زهور
اللوتس الزرقاء، ويتدلى من ذراعه الأيمن مفتاح النيل وهو رمز الحياة لدى القدماء.
وعلى عكس "جانجا" فإن إله النيل يبدو ذكراً وإن كان يحمل ثدياً كرمز على
دوره فى النماء، فجريان مياهه تعنى الحياة للبشر.


ويحتل
هذا النهر أهمية كبيرة لكل من يعيش على ضفتيه حيث يجرى مساره لما يزيد على 6000
كم، تشتمل على 1200 كم تحمل اسم النيل الأزرق. ولقد تمحورت معتقدات المصريين
القدماء سواء فى الحياة الدنيا أو فى الآخرة حول هذا النهر، كما يتبدى من خلال
أسطورة أوزوريس إله الموتى، والتى تقول إن أوزوريس وتوأمه إيزيس وأخيه سيت وأخته
نيفسيس كانوا أبناء إله السماء نوت وزوجها جيب إله الأرض، وفى ذلك الوقت قام
أوزوريس بمنح بنى البشر فنون الحضارة وفى مقدمتها الزراعة والعمارة والكتابة
والفلك والتقويم، بينما قامت إيزيس الوديعة بتعليم النسج وإعداد الطعام والموسيقى
والرقص والنقش. ولكن الأحقاد البشرية طغت على السطح فى ذلك الوقت المبكر للجنس
البشرى حيث تقول الأسطورة إن نيفسيس زوجة سيت كانت عاقرا واندفعت لتراوض أوزوريس
النبيل عن نفسه فى إحدى الليالى حالكة الظلام وخدعته لتنجب منه سفاحاً
"أنوبيس" وعندما علم زوجها سيت قرر الانتقام،
فأقام وليمة فاخرة دعى إليها الجميع.. وفى اللحظة المناسبة طلب من ضيوفه
– وأولهم أوزوريس
– أن يرقد الواحد
منهما تلو الآخر فى التابوت الذى أعده خصيصاً لأوزوريس والذى عندما جاء دوره سارع
72 رجلا بغلق التابوت عليه وإلقائه بالنيل. وسيطر الحزن والغم على إيزيس إلا أنها
أخذت تجوب الأرض بحثاً عن زوجها أوزوريس حتى وجدته ميتاً داخل التابوت، وسرعان ما
نبتت شجرة ضخمة ذات رائحة فواحة لتظلل جسد الزوج. وعندما انتشرت الحكاية تم السماح
لإيزيس أن تعود بصحبة كفن زوجها فى موكب فرعونى يتهادى فوق صفحة مياه النيل، لترتبط
من جديد بالنهر الخالد وتسن لدى المصريين القدماء عادة وضع نماذج للقوارب داخل
مقابرهم استعداداً لرحلة الموت.

من
ناحيتها لجأت إيزيس إلى إخفاء تابوت زوجها فى أحد أحراش النيل خوفاً من بطش سيت
الذى اكتشفه بالفعل عندما خرج يوماً لصيد وحيد القرن، ودفعه حنقه إلى تقطيع جثة
أخيه أوزوريس إلى 14 قطعة ونثرها فى كافة أنحاء الأرض. وانطلقت إيزيس فى رحلة
البحث من جديد وتمكنت من استعادة كافة الأجزاء عدا واحدة، وتمكنت من خلال قواه
الخارقة أن تحمل طفلا وجاء فى هيئة حورس الذى يأخذ رأسه شكل الصقر، والذى يوصف
أيضاً بأنه ابن رع الإله الأكبر للشمس وأصل كل الآلهة.

وتظل
هذه الأسطورة خالدة منذ فجر التاريخ بما ترمز إليه من عواطف جياشة ومن رغبة عارمة
وغضب جارف وانتقام شيطانى وحزن بلا حدود وأمل متجدد يتمثل فى ولادة حورس. ويظل لها
سحرها الأبدى لأنها نتاج أصيل للتربة المصرية وللحياة على ضفاف النهر الخالد.
ويمكن القول بإيجاز إن إيزيس تمثل سهول مصر الخصيبة التى تزداد خصوبة مع فيضان
النيل كل عام وهذا النيل يمثله أوزوريس الذى يفارق إيزيس على يد سيت الذى يجسد
الصحراء القاحلة وقوى الظلام التى تقف على النقيض التام للأرض الخصبة والماء
المتدفق واهب الحياة.
وطبقاً
للأسطورة ذاتها يقوم "حورس" ابن أوزوريس، الذى ولد بعد مقتله، بالانتقام
من عمه بيد أنه يفقد إحدى عينيه فى معركة شرسة ضد سيت، فيقدمها ـ الابن ـ قرباناً
لوالده الذى يتجاوز دورة الحياة والممات ليعرج
– طبقاً للأسطورة
– إلى الخلود ويتحول
إلى إله الموت والنماء الأبدى. والملاحظ أن هذه العين توجد على كل تابوت فى مصر
القديمة، كما تظهر فى "كتاب الموتى" وعلى جدران المقابل حيث تتدلى فوق
حورس ذلك الإله ذو رأس الصقر والذى يمثل أيضاً إله الشمس.
وثمة
أوجه للشبه بين أسطورة أوزوريس هذه وبعض الأساطير الهندية، فعلى سبيل المثال يتجسد
الإله "فيشنو" نائماً فى قاع المحيط بنفس الطريقة التى نرى فيها أوزوريس
راقداً فى مماته، كما يصعد من صرة الإله الأكبر "فيشنو" عود زهرة اللوتس
بما ترمز إليه من الحياة والنماء، ويظهر الإله "براهما" جالساً فوق
اللوتس بعد أن خلق العالم من حوله، ثم نرى "كريشنا"
– وهو تجسيد للإله
"فيشنو"
– يصارع الملك الأفعى "كاليا"
ويقهره بنفس الطريقة التى يصارع من خلالها حورس الشاب ثعباناً ساماً أرسله عمه
"سيت" ليقتله. ويتشابه كل من "كريشنا" و"حورس" فى
مهمتهما المقدسة وهى مصارعة العم الشرير لتخليصالأرض من بطشه واستعادة الحب
والانسجام إليها من جديد.

ويلفت
النظر أيضاً فى أسطورة أوزوريس إقدام الشرير سيت على قتل أخيه وتقطيعه لجثته
ونثرها حول الأرض، ونرى تماثلاً رائعاً فى الأسطورة الهندية حيث تقوم
"ساتى"
– زوجة "شيفا"
– التى تقرر حضور
قربان النار الذى يقوم به والدها رغم عدم تقديم الدعوة لها، وعندما تتعرض للامتهان
من جراء ذلك تقفز فى النار المقدسة لتحترق وهى حية، فيصل زوجها "شيفا"
وقد اصابه الحزن الكثير.. ويحمل جسد زوجته فوق كاهله ويرقص به رقصة الدمار، ويتم
نثر رفات جسد "ساتى" وفى كل موضع يتساقط به الرفات يتم إقامة ضريح تخليداً
لذكرى الإلهة التى تولد من جديد فى هيئة الإلهة "برافتى" التى تتزوج بـ
"شيفا"، وتقول الأسطورة إن عين "ساتى" تقع فى مدينة
"بيناريز" المقدسة المطلة على نهر "جانجا" وتأخذ شكل معبد
"فيشالاكشى".
النيل والأندوس

يسجل
التاريخ البشرى أن أولى الحضارات قد ظهرت على ضفاف ثلاثة أنهار هى النيل ودجلة
والفرات والأندوس، ولكن لا يلتفت الكثيرون إلى حقيقة هامة وهى اتصال تلك الحضارات
وتأثرها ببعضها البعض.
ومما
ساعد على ازدهار حضارة ما بين النهرين (دجلة والفرات) أن مدينة بابل (فى السابق
كانت تعرف باسم مدينتى أكاد وسومر) كانت تقع على طريق برى حيوى يمتد من البحر
المتوسط (ويشمل ذلك مصر) حتى إيران والهند، وكان هذا الطريق بمثابة نقطة الالتقاء
بين الحضارات الثلاث، وثمة أدلة على أن حمورابى
– حاكم بابل والمشهور
بقوانينه
– (من 1792-1750 قبل الميلاد تقريبا) كان على اتصال بكل من حكام
الحضارتين المصرية والهندية، وتدين الهند بالكثير لحضارة ما بين النهرين فى معرفة
الكثير عن الرياضيات وعلوم الفلك.

واستمر هذا التواصل فى ظل حكام آشوريا
وبابل التاليين، وتحولت "نينيفا"
– عاصمة الدولة
الآشورية إلى منارة للثقافة لا تقل عن المكانة التى احتلتها مدينة الاسكندرية فيما
بعد بأربعة أو خمسة قرون، وتبادلت هذه الحضارات الثلاث فيما بينها المعرفة فى
مجالات مثل الفلك والزراعة والرياضيات بل وحتى فى الأساطير.

ويصف
المؤرخ أرنولد تونبى حضارة ما بين النهرين بأنها كانت بمثابة نقطة التقاء الحضارات
حيث قامت بتوجيه الحركة القادمة من أى اتجاه إلى اتجاه آخر وبأشكال متعددة. وإذا
كان الآشوريون قد قاموا باحتلال مصر فى عام 671 قبل الميلاد فإن التاريخ يذكر
للملك تحتمس الأول (1525-1495 قبل الميلاد) إنه تمكن من دخول أرض ما بين النهرين
أثناء صراعه ضد الهكسوس وطردهم من مصر، وجاء الملك تحتمس الثالث (1490-1436 قبل
الميلاد) ليصل بحملاته أيضاً لهذه البقعة الخصبة، ومع ذلك يمكن القول إنه سواء فى
أوقات السلم أو الحرب تمركزت الاتصالات بين مصر وبلاد ما بين النهرين على المجال
الثقافى، بينما كانت التجارة هى الاساس فى علاقة الهند وهذه البلاد، كما لعبت بلاد
ما بين النهرين دورها فى الالتقاء والتواصل ما بين مصر والهند.
ويقول
المؤرخ الإغريقى الشهير هيرودوت إن امبراطور فارس "داريوس" (القرن
السادس قبل الميلاد) قد أرسل أحد رجاله فى رحلة استكشافية إلى نهر الأندوس وذلك
قبل إقدامه على غزو الهند, وقد استغرقت هذه الرحلة 30 شهراً، وجابت أفريقيا وآسيا
وأوروبا، وعندما قويت شوكة الفرس تمكنوا
– حوالى عام 500 قبل
الميلاد تقريباً
– من ضم أجزاء من الهند ومصر إلى
امبراطوريتهم المترامية، وتركت الثقافة الفارسية آثاراً كبيرة على كل من الهند ومصر
خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وجاء عام 343 قبل الميلاد ليصبح فيه
النيل جزءا من الامبراطورية الفارسية.. وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بعدم وجود
اتصال بين الهند ومصر حينما انضويا تحت لواء هذه الامبراطورية الواسعة.

لقد
لعب الاسكندر الأكبر
– ذلك القائد المقدونى العظيم
– دوراً كبيراً فى
التقاء الحضارات الفارسية والأيجية والهندية والمصرية معاً سواء عن قصد أو بدون قصد
وكانت مدينة الاسكندرية، التى بناها الاسكندر عام 331 قبل الميلاد فى دلتا النيل،
إحدى نقاط التقاء هذه الحضارات، وبعد أن خرجت هذه المدينة إلى الوجود تحولت إلى
مركز إشعاع ثقافى للعالم، وفى مدخل المدينة امتد إلى عنان السماء الفنار ليهدى
السفن، وضمت المدينة بين ما ضمت متحفاً ومكتبة كانت بمثابة منبع للمعرفة لا ينضب،
واجتمع فيها ما لا يقل عن مائة باحث وعلامة من كافة أنحاء العالم ينقبون وينهلون
من المعارف حول الإنسانيات ومختلف العلوم.. فهل كان من بينهم هنود؟ وهل ضمت مكتبة
الاسكندرية قبل أن تحترق مخطوطات هندية؟

ولم
يكن الحكام البطالمة والرومان مجرد راعين للثقافة بل كان منهم من ارتاد آفاق
المعرفة ووصل إلى قمة البحث، فعلى سبيل المثال قام الامبراطور "كلوديس
بطليموس" (151 بعد الميلاد) بتأليف 13 كتابا كانت بمثابة الاساس لعلوم الفلك
والكون والتقويم حتى جاء عالم الفلك "كوبرنكس" بنظرياته.

ومن
المؤكد أن أبحاث علماء الاسكندرية فى الفلك والرياضيات قد وجدت طريقها بصورة أو
بأخرى إلى الهند، ومن خلال منبع المعرفة فى ذلك الوقت ارتوى الجميع بلا تفرقة :
الهنود والمصريون والرومان والاغريق والفرس والعرب فعلى سبيل المثال قصد فيلسوف
الاغريق أفلاطون مصر قبل إنشاء أكاد يميته حوالى عام 387 قبل الميلاد قبل إنشاء
مدينة الاسكندرية، وكان حريصاً على اختزال أكبر قدر من المعرفة والتعرف على كل شخص
لديه هذه المعرفة، كما اشتهر عالم الرياضيات فيثاغورث بحب الترحال إلى الشرق وإلى
مصر قبل ا، يستقر به المقام فى جنوب إيطاليا، ويقال إن هذا العالم قد استقى معظم
أفكاره من الهند وبخاصة تلك المتعلقة بتناسخ الأرواح.
ومن
المحقق أن الحكيم الإغريقى أبولونيس
– الذى اشتهر
بالمعجزات
– (القرن الأول بعد الميلاد) قد تحدث كثيراً مع حكماء الهند بل
وزار هذه البلاد، والأمر نفسه حدث بين الكاتب "بارداسينس" (الذى بزغ
نجمه فيما بعد فى مدينة الاسكندرية) وبين الفلاسفة والسفراء الهنود عندما قدموا
إلى بلاط الحكم، ويسجل لنا التاريخ طرفاً من محادثة بين سقراط وعدد من حكماء
الهند، كل هذه الاتصالات بين الاغريق والهنود تؤكد على توثق العلاقة أكثر مما يظن
البعض.
من
ناحية أخرى فمن المؤكد أن الرحالة الهنود الذين عادوا من الاسكندرية قد قاموا بنقل
بعض الأفكار التى اختزنتها عقولهم إلى أبناء جلدتهم رغم أنه لم تصل إلينا سجلات عن
ذلك، ولقد ازدهرت الثقافة الهندية أثناء القرون الأولى للحقبة المسيحية، وربما قد
وجدت الأفكار الرياضية والفلكية طريقها من الاسكندرية إلى الهند وبخاصة تلك الأفكار
والمفاهيم التى ارتبطت بالفيثاغوريين الجدد.
وخلاصة
القول إن الاسكندرية لم تكن حينئذ مجرد مدينة مصرية أو إغريقية، بل غدت مركزاً
ثقافياً وتجاريا مزدهرا يقصدها الكثيرون من كافة أنحاء العالم عبر البحر المتوسط
والمحيط الأطلنطى لتبادل المعرفة والبضائع أيضاً. ومن ناحيتهم قصد أهل الاسكندرية
مختلف البقاع وعادوا بعجائب الدنيا لمدينتهم الآخذة فى الازدهار، فتحولت
الاسكندرية إلى بوتقة ثقافية جمعت بين زخم ثقافى وتيارات متعددة من كافة أنحاء
العالم، بما فيها الهن.
ويقول
المؤرخ تونبى إن فى بعض الأحيان تستلهم الحضارات كثيراً من الأفكار ثم تدخل فى
مرحلة خمول أشبه بالبيات الشتوى لتعود بعدها إلى الحياة وقد تمثلت تلك الأفكار
فتعطيها شكلا جديداً وفتيا. من ناحيتهما احتوت الحضارتان المصرية والهندية
الكثير.. والكثير من الثقافات والمفاهيم.. وتبدو كل حضارة منهما الآن فى مرحلة
البيات الشتوى، فهل حان الوقت ليهبا إلى الحياة أقوى مما كانا؟