
على حدود الهند مع بنجلاديش تقع ولاية تريبورا.. كنز التراث الثرى والتقاليد العريقة. تقول الأساطير إن الولاية استمدت اسمها من الإلهة العذراء تريبورا سندارى. وتقول رواية أخرى أنها تأسست على أيدى قبائل "تبرا". وبينما يغوص تاريخ نشأة تريبورا فى سديم الزمن، تكشف لنا المصادر الموثقة عن شئ قليل من هذا التاريخ. فتقول ان هذه المنطقة ظل يحكمها مهراجات من سلالة قبلية لمدة 1300 عام، حتى قررت الانضمام للاتحاد الهندى عام 1949. وبعد أن أعلنت تريبورا منطقة اتحادية عام 1956، اصبحت ولاية بذاتها ضمن ولايات الاتحاد الهندى عام 1972.
وتريبورا، الكنز الصغير فى حجمه حيث لا تزيد مساحتها عن 11.000 كيلو متر مربع الثرى فى قيمته بما تضمه من تلال خضراء وغابات كثيفة وشلالات متدفقة وقصور ثرية بالزخارف، هى ولاية المتناقضات، التى يحلو للبعض أن يطلق عليها أرض الانوال. فهناك ما يزيد عن 100.000 شخص من أبناء الولاية يعملون بالنسيج على الأنوال اليدوية، لتبقى أصواتها مسموعة طوال الوقت على امتداد الولاية. وتشكل صناعة الأقمشة المنسوجة من القطن والحرير فى تصميمات جميلة مستمدة من التراث الهندى أكبر صناعة فى الولاية. كما يأتى انتاج الشاى كصناعة رئيسية فى ولاية المهراجات سابقا.
ورغم ان عهد المهراجات، الذين كانوا رعاة مخلصين للفنون والحرف والتعليم، قد ولى منذ زمن بعيد، فلا تزال آثاره باقية فى كل ركن من أركان الولاية. فبجوار العاصمة اجارتالا، يوجد قصر نيرماهال، أكثر رموز تراث المهارجات روعة واثارة، شيد القصر مهندسون بريطانيون بناء على طلب المهراجات منذ ما يزيد عن 60 عاما، وهو مقام فوق جزيرة وسط بحيرة كبيرة من تريبورا. وقد أقامت تلك المجموعة من المهندسين قصرا آخر، تحول اليوم الى مكاتب لحكومة الولاية.
وبعيدا عن القصور الضخمة، تزخر اجارتالا، التى اشتهرت فى وقت ما بأنها مركز للتعليم، بعدد من الأبنية الأنيقة ذات الطوب الأحمر التى كانت مفضلة لدى المهراجات فى تريبورا.
وفى اجارتالا، كما فى بقية الولاية، يتحدث التربوريون ثلاث لغات هى الكاكبوراكية والمانيبورية والبنغالية. ويعزى انتشار البنغالية فى الولاية الى الدارسين البنغاليين الذين كانوا يحظون برعاية مهراجات تريبورا ذوى الوعى الثقافى العميق.
يبلغ تعداد سكان الولاية 300 ألف نسمة، يدين معظمهم بالهندوسية، ويعيشون فى قبائل، والأمر المثير انه برغم اغراءات المدينة الحديثة، لا تزال قبائل تريبورا، محافظة على تقاليدها العريقة وحامية لتراثها الفريد، مبقية من ثم على هويتها الثقافية لا تشوبها شائبة. ولا تعود أصول هذه القبائل الى سلالة تميزها، حيث تشكل سكان الولاية قبائل مختلفة ومستوطنون وفدوا اليها من المناطق المجاورة.
يمثل التريبوريون 50% من اجمالى تعداد السكان. وكانوا فيما مضى مقسمين الى مجموعات وفقا لمهامهم المتعلقة بواجباتهم نحو العرش. وكان حكام تريبورا ينتمون الى هذه العشيرة التى تعود اصولها الى السلالة القمرية، والتى حكم منها 179 ملكا متتاليين لسنوات طويلة لم تسجل أو تدون أحداثها، مما جعل من الاساطير المصدر الوحيد لاستقاء المعلومات الخاصة بهم. تقول احدى هذه الاساطير ان السلالة القمرية جاءت من نسل دوريو، ابن الامبراطور ياياتى، أحد أبطال ملحمة المهابهاراتا. وقد جاء منطقة الشمال الشرقى منفيا، ليؤسس امبراطورية اخرى فى ارض عرفت فيما بعد باسم تريبورا.
تأتى قبيلة الريانج كثانى أهم قبيلة فى الولاية، من حيث العد، وقد تركوا موطنهم الاصلى فى تلال لاشاى عقب نشوب الصراعات الداخلية بها، واستقروا فى المناطق الفرعية من الولاية. ويطلق ابناء هذه القبيلة على أنفسهم "أبناء الملك"، حيث يقولون بأن أجدادهم كانوا أبناء بالتبنى للملكة ماهارانى جوناواتى ديفى، زوجة الملك جوفيندا مانيكيا. حدث ذلك عندما قام الريانج بثورة ضد الملك، فأمر بإيداعهم السجن وقتل زعمائهم. ولكن الملكة ماهارانى جوناواتى ديفى توسطت لهم عند الملك واستصدرت لهم امرا بالعفو العام. وكضمان لولائهم وضعت الملكة بع اللبن فى وعاء صخرى وسألتهم أن يرتشفوه ليكونوا بمثابة أولادها. وإلى الآن، لا يزال أبناء القبيلة يحتفظون ببقايا الاناء الصخرى الذى يعود تاريخه الى القرن السابع عشر الميلادى.
أما قبيلة الجاماتين المعروفة بالشجاعة والاقدام، فقد كان لها علاقات وثيقة مع الحكام، حيث تزوج العديدون منهم من بنات هذه القبيلة، وكان الجاماتيون يعتبرون من طبقة المحاربين، ولذلك كانوا يمثلون قوام جيش المهراجا.
ويتركز البوذيون فى ذهه الولاية فى قبيلتى الموج والشاكماس اللتين هاجرتا من تلال اراكان إلى المناطق الجنوبية من تريبورا بسبب الاضطرابات السياسية. أما المسيحيون فيتركزون فى قبيلة لاشاى.
وتعيش كافة هذه القبائل حياة بسيطة يسودها التناغم. فهم يعيشون على الصيد والزراعة وينسجون ملابسهم على أنوالهم، ويصنعون الأدوات التى يستخدمونها فى حياتهم اليومية من الخيزران، ويبنون بيوتهم بأنفسهم من أخشاب البامبو. وهم قوم يعشقون الحياة، يهوون الغناء والرقص، ويقيمون الاحتفالات فى كل أوقات العام. يحبون الألوان المبهجة والحلى المصنوعة من الفضة والعاج والمطعمة بالخرز والمحارة. يزين النساء شعورهن بالورود الطبيعية، ويتفنن فى ابداع أجمل الأقمشة المنسوجة يدويا، فى تصميمات وألوان تميز كل قبيلة عن سواها.
وهم أيضاً قوم يحترمون عادات القبيلة وتقاليدها احتراما يصل حد التقديس، وزعيم القبيلة هو الملجأ والملاذ عند الحاجة الى النصح أو الارشاد.
وبرغم قيام المجتمع على النظام القبلى، تلعب النساء دورا هاما بوصفهن حماة التقاليد، ووريثات ملكات تريبورا، اللاتى كن يحكمن فى العصور الغابرة بجوار ازواجهن، بل وكن يذهبن الى أرض المعركة بجوار ازواجهن وابنائهن المحاربين. ويقال إن امرأة قروية بسيطة تدعى بالاجاما استطاعت أن تدمر جيشا كاملا جاء الى الولاية غازيا. كان ذلك عام 1513، عندما قام حسين شاه حاكم البنغال بمحاولات عديدة لغزو تريبورا. وكادت محاولاته أن تكلل بالنجاح لولا دهاء هذه المرأة وحيلها البارعة. فبعد أن كان جيش تريبورا قد منى بهزائم ثقيلة وانخفضت معنوياته الى حد اعلانه الاستعداد للانسحاب، طلبت بالاجاما مقابلة الملك وسألته أن يمنحها فرصة لتنفيذ خطتها. وعندئذ طلبت بناء سد على نهر جومتى الذى يتعين على الغزاة عبوره للوصول الى تريبورا، بما جعل النهر الجارف يبدو هادئا. وعندما بدأ جيش حسين شاه يعبر النهر، فتحت بالاجاما السد، فغرقوا عن أخرهم.
وإذا كان أبناء تريبورا يتمسكون بالحياة القبلية، فإنهم لا يأخذون منها غير وجهها الايجابى، ويرفضون بما لديهم من وعى وسعة أفق سلبياتها فزواج الأرملة والمطلقة أمر مقبول وعادى بنيهم. كما أن زواج الأطفال الذى لا يزال منتشرا فى بعض مناطق الهند، يكاد يكون امرا نادراً فى هذه الولاية. وللزواج فى تريبورا طقوس فريدة وقواعد تميز هذه المنطقة عن سواها. ولأن الآباء يعتبرون بناتهن نعمة غالية، يجب أن تصان فى بيت زوج يقدرها ويوفر لها كل سبل الأمان ماديا ومعنويا، فقد جرى العرف على أن يذهب الخطيب للعمل مع والد العروس لثلاثة أعوام، يضعه خلالها تحت الدراسة والمراقبة. فإذا ما نال اعجابه، زوجه ابنته، واذا لم يجده مناسبا لابنته صرفه، مجزلا له المقابل المادى عن عمله معه طوال هذه الفترة.
ان ولاية تريبورا، بعمارتها وثقافتها وحرفها، جزء متميز من الهند. ولكن أناسها بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة يجعلون منها كنزا شديد الخصوصية.