شيملا.. أميرة التلال

فوق أعالى قمم الثلوج الأبدية والجبال الضبابية الشامخة.. تجثم شيملا، أميرة التلال، تستحضر المشاعر الدافئة وتجذب زائريها منذ النظرة الأولى لوردات وأميرات، ملوكا ومهراجات، رؤساء دول وحكومات، دبلوماسيين وسياسيين، رياضيين وثوار، أرباب المال ورجال الصناعة، نجوم السينما وشخصيات المجتمع، شعراء وقريسين، فلاحين وبسطاء، وبين ظلال الأرز المهيبة واريج أشجار الصنوبر الشامخة وأحضان فيلات الروابى الساحرة، اتخذت قرارات مصيرية، غيرت أوجه حياة الملايين.

وعبر الشريط الأسمنتى الذى يلتوى ويتعرج فى مساره بطول 120 كيلو مترا من سنديجار إلى تلال وروابى شيملا، تصعد المركبات المضيئة فى سيرها طوال شهور فصل الصيف، قادمة من مناطق بعيدة، حاملة على متنها أعداداً كبيرة ممن يهوون العيش فى دنيا الأحلام، يسترقون بعض النظرات من النوافذ أو يتنفسون بعمق نسيم الجبل الصافى.

وشيملا هى عاصمة ولاية الهند الشمالية هيماشا براديش.. وقد كانت قديما العاصمة الصيفية "للهند البريطانية" وكانت السيدات البريطانيات تقدم إليها عبر الممرات الجبلية الضيقة فى محفات يحملها أربعة حمالين. وفى عام 1856، أنشئ أول طريق للعربات التى تجرها الخيول ويتذكر سكان شيملا القدامى كيف أن الميادين والمناطق ا لرئيسية فى شيملا كانت حكرا على البريطانيين. وباستثناء الطبقة الارستقراطية، منع الهنود من دخولها، وقيدت حركتهم فى البازار الأسفل الذى عرف باسم البازار الوطنى.

أما اليوم، فيمكنك مشاهدة عدد كبير من المتاجر المليئة بشتى البضائع والمشغولات اليدوية. وباستثناء صانعى الأحذية الصينيين، يمتلك المتاجر الكبيرة تجار من البنجاب وقرويين من هما شال.

وربما لا يوجد مكان آخر نسجت حول سر وجوده الأساطير مثل شيملا. وقد تباينت القصص حول أول من اكتشفها. فيقال أن ضابطا بريطانياً شابا كان قد مر عام 1816 بمنطقة غابات شيملا الجبلية الكثيفة، فأثرت فيه هذه المناطق الساحرة والبرودة المنعشة، حتى أنه كتب تقريرا خاصا عن هذه المنطقة ورفعه إلى السلطات العليا. كما يقال أن أخوين من الضباط الاسكتلنديين اكتشفا الربوة التى تقع عليها شيملا أثناء قيامهما بمسح وادى ستوليج. وهناك اسطورة تعود إلى ما قبل ظهور البريطانيين على الساحة بوقت طويل، وتقول أن هذا المكان كان فى يوم ما أرضاً واسعة من الغابات تقع وسطها قرية صغيرة تدعى شيملا، وفى بقعة مهجورة بجوار القرية، عاش ناسك مسن عرف عنه التنبؤ بالأحداث. وفى إحدى أمسيات الشتاء الباردة، بينما الرجل جالس أمام كوخه يحملق فى النيران التى أوقدها أمامه، هب واقفاً وهرع نحو القرية وهو يصيح قائلا "إننى أراه، إننى أراه أمامى، سيكون هذا الكان موطنا للسعادة والبهجة. نعم سيمنح هذا المكان حقا الكثير من النعم. وبالرغم من عدم توافر أى أثر يؤكد إقامة الناسك فى هذا المكان، فقد تحققت النبوءة بالفعل، وهؤلاء الذين يعرفون شيملا جيدا يمكنهم التصديق على ذلك.

وعلى ذات البقعة، بنى الملازم كيندى أول منزل أسمنتى عام 1822، وقليلا فقليلا، استقر العديد من الضباط الانجليز فى المنطقة، وتحول اسم شاملا إلى شيملا. وفى عام 1827 ذهب لورد امهيرست إلى هناك وأعد المكان لاستقبال العديدين والسنوات القادمة، وبدأت شيملا تشهد خطوات مجدها.

ومما لا شك فيه أن شيملا قبل التقسيم غلب عليها الطابع البريطانى بصورة كاملة. فقد ترك كل من البريطانيين الذين تولوا شئونها بصمته عليها. غير أن ذلك التقسيم كان له أثره السيئ عليها. إذ بدأ اللاجئون يتوافدون عليها حتى ضاق المكان بهم وأصبحت الجهات التى تؤدى خدمات المكان غير كافية. وهكذا أصبحت شيملا مكانا مزدحماً، مما أفقدها الكثير من طابعها الأسطورى.

وفى الأعوام الأخيرة، تكررت ذات القصة فبدأت المدينة تمتد شيئا فشيئا حتى تتمكن من استيعاب هؤلاء الذين يتوافدون عليها من كافة أرجاء الهند. فالكثير يجدون فيها مكانا رائعا لقضاء اجازاتهم عندما تغلق أمامهم أبواب المنتجعات التى تتكلف المعيشة فيها أموالا باهظة.

وبرغم كل شئ، فإن شيملا تشبه المرأة ساحرة الجمال التى تعلمت جيدا كيف تحافظ على سر جمالها وحسنها ورشاقتها.