راجستان.. أرض قابعة فى قلب التاريخ

هى أرض الشجعان والفرسان.. أرض قوم يعيشون بأسلوب حياة المحاربين.. قوم نسجت حولهم أكثر أساطير الرومانسية والبطولة إثارة.. شئ كأنه السحر يطوق حدود هذه الولاية.. ولاية راجستان.. راجبوتانا القديمة.. يجعل منها مكانا لا يضارعه سواه على وجه الأرض.. فى قلب الهند.. بل وفى قلب التاريخ.

كل شئ على أرضها هو الأجمل والأروع والأكثر سحرا.. يطلق عليها البعض هدية الزمن المغلفة بالتاريخ والفن والثقافة العريقة.. ويعتبرها آخرون متحفا مفتوحا هائلا حفظت فيه بقايا فترة ذهبية من أجل إمتاع الأجيال القادمة.

عن راجستان حيث لا يزال الماضى يمتلك الحاضر ويسبغ عليه من روحه عراقة واصالة كتب جيمس تود فى "حوليات راجستان وآثارها" يقول "إن راجستان تضرب المثال الأول فى تاريخ البشرية لقوم صمدوا أمام كل وحشية يمكن أن تنزلها بهم الهمجية أو تتحملها النفس البشرية. انحنوا أمام الفواجع حتى لامست أجسادهم الأرض، ولكنهم ما لبثوا أن رفعوا هاماتهم عالية وقد اتخذوا من النكبات حجرا شحذوا عليه شجاعتهم".

 

تبلغ مساحة الولاية 343 ألف كيلو متر مربع. وتتميز أكثر ما تتميز بالتقسيم الطبيعى الذى وضعته سلسلة جبال الارافالى، أقدم سلسلة جبلية فى الهند، والتى تجرى من الشمال الشرقى حتى الجنوب الغربى لمسافة 688 كيلو مترا. وتعد هذه السلسلة الجبلية العمود الفقرى للولاية، وتقسمها الى منطقتين لكل منهما سمات جغرافية مختلفة.

ففى شمال غربى الارافالى، توجد مناطق جودهبور وجيسلمر وبارمر وبيكانى، وكلها سهول جدباء تحفل بكثبان رملية متحركة هائلة، وترصعها شجيرات خفيضة من النباتات الصحراوية الشائكة ومستويات المياه فى هذه المناطق منخفضة للغاية، وقد كانت كذلك منذ قرون عديدة. وفى كتابات الرحالة الايطالى، مانوتش الذى مر بهذه المنطقة خلال القرن السابع عشر الميلادى، وصف لذلك إذ كتب يقول : "الآبار هناك غائرة للغاية، حتى أن الناس عندما تبدأ فى استخراج المياه منها باستخدام الثيران، يفترشون الأرض ويقرعون الطبول، كإعلان عن أن الدلو على شفا البئر وأنهم على وشك الحصول على الماء".

غير أن هذه الأرض برمالها وطبيعتها الصحراوية الجدباء ليست عقيمة أو مهجورة. ولو أن جفاف هذه المنطقة وحرارة جوها كانا ذا تأثير، فهو أن الجو المفتقد للألوان قد دفع الناس لملء حياتهم بالألوان المبهجة، والحقيقة أن زهاء ألوان ملابس نساء هذه المناطق فى مقابل جفاف المكان يعد أول وأقوى الانطباعات التى ترسخ فى أذهان زائرى المنطقة. ولعل فى ذلك ما يؤكد أن شيئا على وجه الأرض لا يكدر حماس الناس هناك للحياة.

غير أن طبيعة المناخ قد أجبرت قاطنى المكان على عيش حياة شبه يدوية. فعندما تضن عليهم الحياة بأسبابها، ينتقلون بماشيتهم الى مراع تبدى قدرا اكبر من الترحيب بهم، ويستخدم البعض مهاراته فى الفنون الشعبية لكسب عيشه. واذا كان هؤلاء الهائمين يتركون بيوتهم من أجل البحث عن حياة أفضل، فإنهم يبقون على الصحراء وتاريخها فى قلوبهم، ويعتبرون كل طقس من طقوسها عقيدة راسخة، حتى يكاد المرء يعرفهم – من فرط تمسكهم بهويتهم – من بين كل سكان الدنيا، فهم قد يبتعدون عن أرضهم، ولكنهم ابدا لا يبتعدون عن أرضهم، ولكنهم ابدا لا يبتعدون عن ثقافتهم.

وقد عوضت الطبيعة هذه المناطق عن نقص الخضرة بثروة معدنية توجد فى مناطق عديدة بها، على عكس الجانب الآخر من الارافالى الثرى بالحياة النباتية.

ومن الناحية الجغرافية، يعد العديد من المناطق فى راجستان أقدم عمراً من جبال الهمالايا ذاتها، لذلك كان من الطبيعى أن تقوم الحضارة فى راجستان قبل وقت طويل من بقية الهند. وقد أثبتت الاكتشافات الاثرية فى كاليبانجان، فى منطقة جانجامنجار أن هذه المنطقة عرفت وجود المجتمع المنظم والمتطور قبل ظهور الثقافة الهارابانية. كذلك يوجد فى راجستان العديد من المناطق التى تطورت قبل تدوين التاريخ.

كتب تاريخ الممالك المختلفة التى تعاقبت على راجستان والحروب الضارية التى نشأت فيما بينها مرحلة مهمة من تاريخ الولاية. وكان أن استمر الحال كذلك حتى منتصف القرن السادس الميلادى حتى استطاع الراجبوتيون الشجعان، الذين تجتمع فيهم صفات المحاربين والنبلاء، أن يخضعوا المنطقة لهيمنتهم ويكتبوا بدمائهم أكثر فصول تاريخها أهمية.

كانت راجستان مقسمة الى ممالك. وظل الراجبوتيون منهمكين طوال الوقت بالوقوف أمام مناوشات الممالك المجاورة، وإلا كان عليهم مواجهة الأتراك أو سلاطين دلهى أو المغول فيما بعد.

وهذه الفترة من تاريخ راجستان هى التى لا تزال تعيش داخل نفوس ابناء لمنطقة وتضفى عليها سحرا خاصا يجعلها مختلفة عن أى مكان آخر فى العالم.