البنجـاب..مخـزن غـلال الهنـد

هى أرض تنطق ألوانها بالحياة.. تعلو فيها ترانيم المعابد.. تفيض بالخير.. يجرى بين حدودها العديد من الانهار.. تثرى بالصروح الصناعية والزراعية.. يكاد المرء يتبين فلاحيها وعمالها من بين أبناء شبه القارة الهندية، لما يميزهم من دأب وإخلاص فى العمل، وكيف لا وقد ظلت البنجاب دائما سلة خبز الهند.

اشتقت كلمة بنجاب من كلمتى "بانتش" أى خمسة و"اب" أى مياه، إذ كان يجرى فى هذه الولاية خمسة أنهار قبل تقسيم الهند عام 1947 تجاورها من الغرب باكستان، ومن الشمال ولاية جامو وكشمير، ومن الشمال الشرقى ولاية هيماشال براديش، ومن الجنوب ولايتا هاريانا وراجستان. وتبلغ مساحتها 50.302 كيلو متر مربع، وعاصمتها هى شانديجار.

وهناك اعتقاد بأن البنجاب هى أقدم موطن للمستوطنين الأريين فى الهند. وقد كافحت الولاية منذ القدم كفاحا مريرا للحفاظ على كبريائها وشخصيتها. فقبل أن يصل الأوروبيون الى الهند عن طريق البحر، كان كافة الغزاة يدخلونها من خلال البنجاب، حيث وجدت دول ما وراء مرتفعات الهمالايا مدخلا اليها عن طريق اربعة طرق، أهمها طريق خيبر الذى يقع الآن فى باكستان.

بدأت قصة البنجاب مع الغزاة فى القرن السادس قبل الميلاد، عندما غزاها داريوس الأول ملك الفرس وجعلها مقاطعة فى مملكته. وفى القرن الرابع قبل الميلاد، دخلا الاسكندر الأكبر، وجاء طرد نائب الملك من المقاطعة عندئذ على يد تشاندرا جوبتا المورى.

وبعد أفول الامبراطورية المورية، شهدت البنجاب قدوم العديد من الغزاة مختلفى الأجناس والجنسيات، وكان محمد الغازنى أول غاز مسلم يدخل هذه الولاية، وذلك فى القرن العاشر الميلادى، ومنذ ذلك الحين توالى دخول المسلمين الى البنجاب إلى أن أسس بابر الحكم المغولى فى الهند.

دخلت البنجاب مرحلة جديدة فى تاريخها مع المرشد الروحى نانك (1469-1539) الذى بدأ معه انتشار العقيدة السيخية، وخلفه تسعة مرشدين روحيين وتحت ظروف تاريخية، أصبح السيخ الذين يتمثل مبدأهم الأساسى فى التسامح العالمى، مجتمعا مسلحا. واحتل الصراع بين السيخ والمسلمين مرحلة طويلة فى تاريخ البنجاب.

والحقيقة أن هذه الولاية شهدت أوج تألقها وعظمتها خلال حكم الملك رانجيت سينج (1780-1839) وبعد وفاته أصابت الحربان اللتان وقعتا مع القوة البريطانية الصاعدة السيخ فى مقتل، واستولى البريطانيون على المقاطعة عام 1849.

قصة طويلة من الصراعات تتجسد ذكرياتها فى آثار ومدن الولاية، التى تمثل بثرائها مجالا خصبا لدراسة العمارة والآثار، تعد امريتسار إحدى أعرق مدن الولاية، إذ يبلغ عمرها اليوم ما يربو على ربعمائة عام، وامريتسار حرفيا تعنى "بركة الرحيق". وهى من خلق المرشد الروحى السيخى الرابع رامداس الذى أهداه الامبراطور المغولى الأرض التى أقيمت عليها المدينة. فحفر فيها رامداس بركة أطلق عليها امريتسار، وشيئا فشيئا نمت المدينة وكبرت حول تلك البركة.

أراد رامداس أن يجعل من امريتسار مركزا للعقيدة السيخية. وبالرغم من أنه لم يحيا حتى يرى حلمه مجسدا على يد ولده المرشد الروحى أرجون ديف الذى بنى معبدا هائلا وسط البحيرة واحتفظ فيه بالـ "رانت صاحب"، كتاب السيخ المقدس. وفى عام 1803 جدد حاكم البنجاب السيخى الملك رانجيت سينج المعبد، فغطى الجزء الأسفل منه بالرخام والجزء الأعلى بالنحاس، ثم جمله بربعمائة كيلو جرام من الذهب الخالص، ليصبح المعبد معروفا باسم "المعبد الذهبى". ولهذا الأثر البديع الذى يطلق عليه ايضا "الساحة المقدسة" أربعة مداخل تفتح على جهات البوصلة الأربع، رمزا إلى أن الجميع محل ترحيب، أما الأبواب فمطلية بالفضة المشغولة، والجدران بالذهب المحفور عليه موتيفات من الزهور بالغة الجمال والروعة، وتزين الجدران والسقوف لوحات جصية وشغل زجاجى ذا سحر فريد.

وبالقرب من المعبد الذهبى يقع فى الجهة الغربية للمربع قبل البوابة العرش السيخى، وهو بناء رائع تعلوه قبة مطلية بالذهب. وقد مثل هذا البناء المحكمة العليا لكافة المشاكل، سواء الدينية أو الاجتماعية التى كانت تواجه السيخ، حيث دأب بعض المرشدين الروحيين من السيخ على الجلوس فيه واعطاء توجيهاتهم فى مختلف القضايا، ويعرض فى هذا البناء الذى شيده المرشد الروحى السادس هاروبيند (1606-1645) الأسلحة المختلفة التى استخدمها المرشدون الروحيون.

وبالقرب من المعبد الذهبى ايضا يوجد معبد السيخ الرئيسى الذى يعرض رسومات ذات درجة عالية من الابداع الفنى، تصور المعارك التى خاضها السيخ لحماية عقيدتهم.

وعلى غرار عمارة المعبد الذهبى، يتوسط المدينة العريقة معبد هندوسى يطلق عليه "دورجيانا ماندير" بنى لتخليد لاكشمى ونارايان، والحق أنه لا يكاد ركن من أركان المدينة يخلو من مثل هذه الأبنية التى شيدت من أجل العبادة وتحولت بمرور الوقت الى درر معمارية ترصع أرض البنجاب.

أما حديقة "جاليانوالابج" التى تقع ايضا فى امريتسار، فتعيد الى الأذهان مباشرة قصة كفاح الهند من اجل الحرية، ففى الثالث عشر من أبريل عام 1919، وبينما احتشد أمام الحديقة العديد من الآلاف فى تجمع سلمى للاستماع إلى بعض المناضلين من اجل التحرر، أمر أحد الجنرالات البريطانيين بفتح النار على المحتشدين، وسقط على الفور ما يزيد عن الفى شخص برئ، من بينهم نساء وأطفال، ولازال أماكن الرصاصات الغادرة حية على جدران مبانى الحديقة تكاد تصيح بغشامة الاستعمار وتمجد شهداء الحرية، وتعد تلك الحديقة اليوم نصبا تذكاريا قوميا يتوسطها أثر فى شكل لهيب صاعد بنى تخليدا لأرواح الشهداء الأبرياء.

وللمناظر الطبيعية نصيب كبير فى البنجاب فهناك حديقة شاسعة صوب الجنوب من المعبد الذهبى، تمتد على مساحة ثلاثين فدانا، يطلق عليها "حديقة السيد" كما تقع بالقرب من مدينة امريتسار بقعة تفننت الطبيعة فى رسم صورتها، وزاد من جمالها وقوعها فى نقطة التقاء نهرى بيز وسوتليج، يعلو صوت جمالها مرحبا بكافة القادمين، شأنها فى ذلك شأن كل شئ فى البنجاب.