مومباى.. مدينة ساحرة على الطريق السريع *

إنها ماكينة الأحلام التى لا تتوقف عن نسج خيوط الأمل والقوة يسحر بريقها وشوارعها التى تبدو وكأنها رصفت بالذهب.. آلاف السائحين.. إنها بومباى التى تنمو وتستوعب وتواصل المضى فى طريق الوفاء.

تأسرك بومباى منذ اللحظة الأولى لوصولك، فتستولى على مشاعرك وتأخذ بحواسك، تبدأ رحلتك من المطار وتمر عبر الأميال التى تقطعها بأحياء الفقراء والبسطاء، وبينما تقترب من المدينة الساحرة يفرض عليك زحام المرور تحديا عظيما، ويكون عليك أن تواجه البائعين الجائلين الذين ينتشرون حولك فى كل اشارة من اشارات المرور، يمسحون زجاج السيارة التى تستقلها بخرق بالية أو يحاولون أن يبيعوا لك عيدان البخور أو بعض المجلات.

وما ان تبدأ الأفكار تجوب عقلك وتملأ التساؤلات نفسك، كيف ستكون اقامتك فى بومباى؟، تكون قد وصلت ورلى، فترى "مسجد حاج على" منتصبا فى شموخ على جسر فى منتصف البحر، وإذا وصلت المدينة ليلا، ستقابل بستار الأضواء المتلألئة الذى تسدله ناطحات السحاب التى ترتفع فى سماء بومباى فتميزها عن سواها وتستمر فى طريقك الى شاطئ تشوباتى الذى تنيره الأضواء المنبعثة من الأكشاك التى تبيع العصائر والآيس كريم والوجبات السريعة التى يعج بها الشاطئ، وبوصولك "مارين درايف"، سيكون التأثير الذى تركه عليك زحام المرور قد تبدد ولكن العربات ذات الأربع عجلات التى يجرها الخيل فى رصانة وهدوء ستخلق لديك شعورا بالمفارقة التاريخية التى يشيع تأملها البهجة فى نفسك.

مشاعر كثيرة وصور أكثر ستختلط بداخلك وتفجر حواسك خلال هذه الستة عشر ميلا التى تقطعها من المطار وحتى الوصول إلى بومباى، فهى مدينة تفرض على ارائك وأفكارك المسبقة تحديا عظيما، فتجدك مجبرا على إعادة التقدير والوصول الى تصور جديد، بل والتعلم، قد يكون مكانا محفزا وقد يكون مكانا مثبطا ولكن الكآبة لا تعرف إليه سبيلا.

وعندما تجوب شوارع بومباى، فلمس بنفسـك الطاقة والحيوية فى هوائها، الطرق لا تخلو من البشر والمحطات تزدحم عن آخرها فى سـاعات الذروة، البائعـون يملأون الشوارع، دافعين أمامهم عربات عامرة بأطعمة الغـذاء التى يبيعونها للآلاف من موظفى المكاتب، وفى حى الأعمال والتجارة الرئيسى سيكون عليك أن تشـق لنفسـك طريقا بين الحشود الغفيرة التى وقفت لتخطف غذاء سريعا من أحد أكشاك الطعام العديدة التى تنتشر على الأرصفة أو لتتفحص أكشاك المجلات التى تعرض أعدادا هائلة من مجلات السينما.

سيخبرك أبناء بومباى الذين يملأهم الفخر بمدينتهم أنها بما يرتفع فى سمائها من ناطحات سحاب لا تختلف عن مدينة نيويورك، والواقع أنه يمكنك استشعار وجود قطعة من "التفاحة الكبيرة" فى بومباى، ربما تتمثل فى الوتيرة السريعة، فالناس فى بومباى – مركز الهند المالى والصناعى – دائما مشغولون.. مشغولون بجمع المال أو باللحاق بالقطار أو بمحاولة إفساح طريق لهم فى ساعات الذروة. وهناك جانب آخر للمقارنة بين البلدين، فكل من مانهاتن وبومباى جزيرة، ولكن بدون البنية الأساسية القوية التى تمتاز بها نيوجرسى أو بروكلين، يتمنى كل فرد أن يعيش على الجزيرة، والنتيجة ارتفاع جنونى فى أسعار العقارات ينافس نظيره فى نيويورك وباريس وحتى طوكيو، ولا يحتمل هذه الاسعار سوى الأغنياء الذين يقطنون أرقى الأماكن، تزحف الطبقات المتوسطة قليلا فقليلا نحو الشمال، أما الفقراء فيتحركون نحو الأحياء الشعبية.

ويبقى وجه آخر للتشابه بين "التفاحة الكبيرة" وبومباى، ويتمثل فى أنهما مدينتان تنصهر فيهما العقليات المختلفة، فبومباى مدينة هندية بدون شك، منذ أن تقع عيناك على الأبقار التى تجوب الشوارع، ولكنها أيضا مزيج من كل دول العالم، حيث توافد عليها أجيال من الغزاة والتجار والمهاجرين، جذبهم جميعا سحر بومباى وخبرتها التاريخية، كان البرتغاليون الذين نزلوا المدينة عام 1509، أول الأوروبيين الذين استهوتهم بومباى، حيث أقاموا مدينة ميسورة فى ياسين، ولم يبق من آثارهم سوى ألقاب وجدت بين مجموعات الكاثوليك الرومان التى كانت متماسكة بقدر ما كانت صغيرة، وفى عام 1662، انتقلت بومباى – التى كانت تتكون آنذاك من سبع جزر اندمجت فيما بعد لتصبح بومباى التى نعرفها اليوم – من البرتغاليين إلى الانجليز كجزء من المهر الذى قدم إلى الاميرة كاترين عند زواجها من تشارلز الثانى، ففى عام 1668، اشترتها شركة شرق الهندية من تشارلز الثانى مقابل قرض يبلغ 50.000 جنيه.

عكف العاملون فى الشركة من ذوى العقلية التجارية على بناء أرصفة الميناء والحصون ولإدراكهم التام لأهمية بومباى، شجعوا استيطان الآخرين من خارج الجزيرة، وهكذا بدأ التدفق الحثيث للعناصر المختلفة التى جعلت بومباى بوتقة العالم، زحف تجار جوجرات شمالا نحو بومباى، وهكذا فعل الفرس الموهوبون الأذكياء، ووصل التجار العرب عن طريق البحر قادمين من الخليج. وجاء الانجليز يبحثون عن الحرير والعطر والبهار، وبالطبع تركت كل هذه الجماعات بصمة واضحة على المدينة، فاليوم تجد الكم الأكبر من الأنشطة التجارية بين يدى الجوجراتيين. كما أن اللغة الجوجراتية تنتشر هناك على نحو واسع. يكون الفرس مجموعات، ربما تكون صغيرة ولكنها على قدر كبير من التواجد والوضوح، فهم أناس متعلمون محبون للخير والبشرية، يسهمون بسخاء فى بناء ما اتخذوا منه وطنا لهم، يشكل المسلمون ثلث تعداد السكان فى بومباى، أغلبية الثلثين الآخرين من الهندوس والبقية من الأديان الأخرى واليوم لم يعد المهاجرون والوافدون الى بومباى من التجار ولكن من المزارعين والفلاحين البسطاء الذين تجذبهم شوارع المدينة المتلألئة التى تعج بدور السينما العديدة. ويستقر الحال بهؤلاء النازحين فى المناطق الشعبية التى يقيمونها كلما وجدوا رقعة أرض غير مسكونة فى جميع أرجاء المدينة، وبينما تواصل التعرف على المدينة، ستكشف وجود ثقافات مختلفة تعود لعصور مختلفة، تعيش فى سلام فيما بينها.

تعد بوابة الهند من أشهر معالم المدينة. وقد بنيت عام 1991 لإحياء ذكرى زيارة الملك جورج الرابع والملكة مارى وتمر من تحت البوابة لتركب مركبا زاهى الألوان استعدادا لرحلتك إلى كهوف الأفيال، وهى عبارة عن معابد تعود الى القرن الرابع مقامة على جزيرة تبعد ستة أميال، وعندما تذهب إلى ورلى لزيارة مسجد "حاج على" الذى يبعد 500 ياردة داخل البحر، ستكون بجوار معبد "لاهالاكسمى" أحد أشهر المعابد الهندوسية فى بومباى والطريق الى هناك مزدحم بحوانيت صغيرة تبيع الفاكهة والحلوى والزهور للزائرين، وتستمر فى رحلتك لتشاهد متحف أمير ويلز أكبر متاحف بومباى الذى شيد على ما يطلق عليه الطراز الهندى العربى، وهو أثر آخر من بقايا حقبة المستعمرات، واليوم تعلو أبراج مكاتب الصرافة عن قمة المتحف. وفى الجهة الجنوبية من بومباى، توجد مستوطنة حيادى الـ "كولى"، وهم أسلاف السكان الأصليين للجزر الذين ظلوا يدفعون شيئا فشيئا نحو الجنوب حتى لم يبق لهم اليوم سوى رقعة صغيرة تنحصر بين المبانى السكنية ومبانى المكاتب. إلا أن الماضى والحاضر يتعايشان سوياً فى وئام بالغ، وتجد صيادى الـ "كولى" وهم ينشرون شباكهم عبر الطريق لتجف، فتتجنب السيارات المكيفة حديثة الطراز المرور من فوقها.

وكما ترك الانجليز بصمتهم المعمارية على بعض المنشآت التى تخلد ذكرى الزيارات الملكية، كانوا عمليين كعهدهم دائما، فأنشئوا المحطات والكليات والمحاكم، ومن أشهر مبانى بومباى تلك التى بنيت خلال القرن التاسع عشر على طراز العمارة القوطية الشرقية مثل خط سكة حديد فيكتوريا ومبنى محطة بوابة الكنيسة الذى تحول الآن إلى مكاتب إدارية والمحكمة العليا والجامعة، وهذه المبانى الأربعة التى تشهد بعظمة فن العصر الفيكتورى المعمارى لا يجب أن تفوتك فواجهاتها بمثابة متنفس أمام الكثير من مبانى القرن العشرين الخرسانية التى تفتقد التناسق.

ينتهى يومك بعد أن جبت الشوارع وزرت الكنائس والمعابد وغيرها، ماذا بعد؟ بل مازال هنالك أماكن الترفيه التى تفرط بومباى فى تقديمها لزائريها، لعل أهمها دور العرض، فصناعة الفيلم فى بومباى شئ اسطورى. إذ تنتج سنوياً مئات الأفلام التى تجمع بني الغناء والرقص والرومانسية والصراع بين الخير والشر وغالباً ما يعوضك أسلوب التمثيل عدم إلمامك باللغة الهندية. فتستطيع أن تتابع القصة دون الحاجة لتعلم كلمة هندية واحدة!. وتعد تلك النوعية من الأفلام ذات شعبية طاغية، فهى بمثابة هروب مؤقت من عالم الواقعية إلى المتعة وعالم الألوان، وكل ذلك فى مقابل بعض الروبيات!. أما إذا كنت وراء الثقافة الجادة، فهناك المركز القومى للفنون التمثيلية الذى يقدم مسرحيات باللغة الانجليزية والهندية، فضلا عن العروض الموسيقية والراقصة.

وفى بومباى، هناك دائماً شئ يحدث، هناك دائما ضوضاء وصخب فى الشتاء، تنتشر حفلات الزواج، وعلى مدار العام يجرى دائما تصوير بعض لقطات الأفلام الخارجية، فيتزاحم الناس ليشاهدوا نجومهم المفضلين، ناهيك عن التجمعات السياسية والمهرجانات الدينية التى تترك الشوارع فى زحام شديد.

إن بومباى، مدينة الثقافات المختلفة والقرون المتباينة تعد بحق مدينة المتناقضات.. المنازل الفخمة المترفة والبيوت القذرة الحقيرة، السيارات المكيفة المزودة بكل أسباب الراحة والعربات التى يجرها الخيل.. قائمة لا تنتهى من المتناقضات، ولكنها تضاف فيما يضاف إلى أسرار سحر هذه المدينة، والسبيل الأمثل لمعايشة هذه التناقضات هو أن تكتشف بومباى سيرا على الأقدام، فتشعر بنبض الناس وأنت مختلط بهم وتتقمصك روح التاريخ وأنت تطوف بين آثارها.