
مانيبور، أرض الدرر والنفائس، أرض السماء الضبابية والجبال والسهول.. المدخل إلى شرق الهند. تطوقها من الشمال والغرب والجنوب سلاسل مرتفعات نجالاند واسام وفيرورام.. وتجاور ميانمار (بورما سابقا) يرى بعض المؤرخين أنها كانت موقعا لأهم أحداث ملحمة المهابهاراتا.. تقول الأسطورة أن مانيبور جاءت إلى الوجود عندما مس لورد شيفا الأرض بعصاه، وأوجد بحيرة رقص أمامها مع رفيقته يانثوابى.. وإلى الأسطورة أيضا يعود القول بأنه فى مانيبور وقع ارجون، أبرع الرماة وأشجع الأخوة البندافيين الخمسة أبطال المهابهاراتا، فى حب تشيترانجادا، ابنة ملك مانيبور وتزوجها. أطلق عليها فيما مضى لورد ايرون نائب الملكة البريطانى والحاكم العام للهند "سويسرا الهند"، ووصفها نهرو بأنها "درة الهند".
وعاصمة مانيبور، الولاية الشمالية الشرقية، هى ايمفال وهى واحدة من الأماكن القليلة التى تبدو كما لو كانت يد التغيير لم تطلها. فبقايا القصر التاريخى العتيق، والمعابد ذات التصميمات الرائعة، وأماكن ممارسة الطقوس والشعائر بكل بهائها وجمالها،وهى ترتفع وسط اشجار الأناناس، تشى بعراقة تاريخ هذه المدينة، التى تعد واحدة من أقدم مدن شبه القارة الهندية.
فى بعض أماكن المدينة، تبدو ايمفال مثل لوحة مرسومة، بالسحب التى تتدلى منخفضة من سمائها على امتداد مساحات شاسعة من الحقول الخضراء اليانعة وسلاسل مرتفعات كوبرو ونمايجنج ذات اللون الاخضر الضارب إلى الزرقة، بما يجعل الوادى يبدو وكأنه مطوق بأكاليل من 
النضرة، وتضيف مئات البساتين شيئا من شغب الألوان للوحة.على بعد ثمانية كيلو مترات من ايمفال، عند سفوح الروابى المغطاة بأشجار الأناناس، توجد حدائق حيوان مانيبور الزاخرة بثروة من الطيور والحيوانات والزواحف النادرة.. وفى الغابات المجاورة من العادى أن يلمح المرء غزال الثمين، وهو واحد من أندر أنواع الغزلان فى العالم.
غير أن جوهر تراث ايمفال يكمن فى معابدها العديدة الثرية بفنون العمارة والزخرفة. ويأتى معبد شرى جو فينداجى على قائمة أهم هذه المعابد باعتباره مركزا تاريخيا للفيشنافييتين.. ويلاصق المبنى ذو القبتين قصر حكام مانيبور السابقين، وهو قصر بالغ الجمال والروعة.. تدب الحياة فى المعبد الذى تم بناؤه فى القرن الثامن عشر الميلادى فى ظل نظام راجاريشى بها جياتشاندر، أثناء الاحتفالات والمهرجانات عندما يتجمع الآلاف من ابناء الولاية لأداء الصلاوات فى ساحة المعبد.
فى وسط المعبد، يرتفع تمثال لورد فيشنو محاطا من أحد الجانبين بمزارى بالاراما وكريشنا.. ومن الجانب الآخر بمزار جاجاناث، والمعبد به فناء مرصوف وساحة شاسعة عالية لأداء الصلوات.
ومن بين المناطق المهمة الأخرى فى الولاية متحف مانيبور الذى يضم مجموعة ثرية من الازياء وأدوات الحرب والوثائق التاريخية والقطع الأثرية التى تجسد نموذجا لتاريخ الولاية المعقد، ويضم المتحف أيضا تماثيل لآلهة الغابات فى مانيبور، رمزا لبهاكانجيا الذى تقول الاسطورة أنه استطاع أن يحول نفسه من صورته الآدمية الى صورة تنين، وتشير كل هذه المقتنيات الى الأهمية التى يضفيها أبناء مانيبور على العلاقة الوطيدة بين الانسان والطبيعة.
فى قلب مدينة ايمفال تماما.. يرتفع أثر آخر من آثار المدينة البارزة وهو منارة الشهداء، التى تم بناؤها تخليدا لذكر شهداء مانيبور الذين ضحوا بأرواحهم من أجل استقلال الهند.. هناك أيضاً المقابر الشهيرة لجنود الجيشين الانجليزى والهندى.. والتى تخلد ذكر ضحايا الحرب العالمية الثانية، وأمام كل مقبرة من المقابر التى تتولى لجان الكومنولث الحفاظ عليها وصيانتها شاهد يحمل تسجيلا للواقعة التى لقى فيها الجندى حتفه.

ولعل أكثر ما يميز مدينة ايمفال عن غيرها من المدن الهندية مسابقات الرماية التى تقام يوميا على مساحات شاسعة من الأراضى المزروعة بأشجار الصنوبر، وتنتشر هذه الرياضة ذات الجذور القبلية الموغلة فى القدم، على نحو واسع فى المدينة، ويتقنها أبناء المدينة اتقانا يبلغ حد قدرة الواحد منهم على رشق ما يقرب من 500 سهم فى الهدف المحدد فى خلال بضعة دقائق.
فى وسط المدينة ايضا، يوجد أقدم قصور المدينة، أو "القصر العتيق" كما يطلقون عليه، وتحيط به اطلال حصون قديمة لا تزال تنبئ بما كانت عليه من روعة وصلابة فى الماضى. تحتضن ايمفال اضافة الى ذلك أكبر بحيرة للمياه العذبة فى الهند وتعرف باسم لوكتك، كما يجاور المدينة العديد من المتنزهات التى يقع بعضها على أجمل الروابى والمرتفعات فى الولاية. ومن الأماكن ذات المغزى التاريخى المجاورة لايمفال منطقة موارانج، وتكتسب أهميتها التاريخية من أنه فى هذه البقعة قام نيتاجى سوبها تشاندرا بوس برفع علم جيش الهند الوطنى للمرة الأولى على أرض هندية.. وفى هذه المنطقة، يوجد متحف جيش الهند الوطنى الذى يضم رسائل وصورا وشارات وغيرها من المقتنيات التى ترتبط بالحركة التى قادها تشاندرا بوس، بالإضافة إلى تمثال لهذا المناضل.
واذا كانت ولاية مانيبور تتميز بين الولايات الهندية بموقعها الفريد وآثارها العريقة وعاداتها وتقاليدها، فإنها أيضا تتميز بين الولايات الأخرى بأناسها، وبالأخص بنسائها.. فهن قوة لا يستهان بها، وقد كن دوماً كذلك على امتداد تاريخ الولاية.
ففى عام 1939 خرجت نساء مانيبور الى الشوارع، معلنات الحرب على الاوضاع الاقتصادية المتدنية التى خلقها الحكام، وعلى سلوك بعض التجار الجشعين.. وأسفرت "ثورة النساء"، كما أطلق عليها فى نهاية الأمر عن تحرك من جانب الحكومة ضد الحكام ودوائر التجارة والاعمال.. واستطاعت نساء مانيبور بفوزهن فى هذه المعركة أن ترسخن وجودهن وقوتهن فى الحياة الاجتماعية السياسية فى الولاية.
واليوم تضطلع نساء الولاية بدور كبير فى الحياة الاجتماعية.. فجماعة نيشاباند، على سبيل المثال، تنظم دوريات تجوب الشوارع ليلا للبحث عن المخمورين وتسليمهم للشرطة.

وتعتمد الاسرة فى مانيبور فى كسب الرزق على المرأة التى تعمل فى كل المجالات.. فتشتغل بالزراعة وتقطيع الاخشاب والغزل والنسج والتجارة وبيع الأسماك الى جانب قيامها بواجباتها الاسرية فى رعاية الاطفال وادارة شئون المنزل.
ولعل سوق كويرامباند يعد أكثر الأماكن التى تؤكد سيطرة المرأة المانيبورية على سوق العمل.. فالمكان يضم ما لا يقل عن 3000 امرأة، تتواجدن من السابعة صباحا حتى السابعة مساء. وتضع كل منهن أمامها البضاعة التى تبيعها من خضراوات وأسماك وأرز وآنية فخارية وأدوات تجميل وحلى وأدوات مطبخ.. والأمر الرائع أن كل منهن تشعر انها عضوه فى أسرة كبيرة، فتراهن يجلسن معا، يتشاركن كل شئ، يتفقن جميعا على أنهن عماد الأسرة وعليهن توفير متطلباتها المادية.
وفى هذه السوق، ليس هناك مجال للجدال حول الاسعار، وهن لا يفهمن العادة الغريبة بالنسبة لهن التى يمارسها الغرباء عندما يدخلون السوق ويأخذون فى تقليب البضاعة، ثم الجدال حول سعرها. وهذا الأمر بالنسبة لهن تشكيك فى أمانتهن.. فهن لا يعرضن سوى كل جيد.. ولذلك يتوقعن ألا يكون على المشترى سوى أن يشير إلى ما يريده من بضاعة ويحدد الكمية المطلوبة ثم يدفع ثمنها دون جدال.
وكما أن هناك قواعد تحكم أى مؤسسة تجارية، هناك قواعد حاكمة لهذه السوق.. فجميع العاملات بها لا تقل أعمارهن عن الثلاثين، وهن إذ يقمن بتوفير الدخل للاسرة.. يتركن ادارة شئون المنزل لزوجة الابن.. ربما يبدو ذلك غريبا ولكنه يتيح الفرصة لزوجة الابن لأن تدبر أمور المنزل بأسلوبها الخاص.. كما أنه لا يترك مجالا للمشاحنات التقليدية بين الحماة وزوجة الابن.
تقول بائعة خضراوات بالسوق (68 عاما) "إننى قوية وأتمتع بصحة جيدة.. فلماذا، اذا أظل حبيسة المنزل.. لا أفعل أى شئ إننى أشعر بمجرد حضورى الى السوق، بالرضا التام.. فبدون العمل سأظل ألف وأدور فى المنزل وأتدخل فى شئون كل أفراد الأسرة.. أما عملى فإننى أشعر براحة كبيرة لأننى أسهم فى توفير الدخل لأسرتى".