مانــدو

عندما تكتب الصخور أبيات من الشعر

عندما يهل فصل الرياح الموسمية، يصبح كل شئ فى ماندو نابضا بالاحساس. فشمس الصيف التى نفحت الأرض بلهيبها وسفعت أشجار الغابات تتوارى الآن خلف السحب الرمادية اللؤلؤية. ولعله ما من مكان فى شبه القارة الهندية أجمل من مدينة ماندو لكى يفتح المرء قلبه لهذا التزاوج الساحر بين أشعة الشمس وقطرات المطر.

ومن على درجات السرادق الملكى وسط بركة كابور، يمكن رؤية العاصفة الأولى تهب وكأنها تغازل المدينة، ويومض البرق عبر السماء، متراقصا على أنغام الرعد المقعقعة. وتهتز أشجار الماهونا وتتلألأ قطرات المطر على الدرجات الصخرية، وفى خلفية الصورة التى ترسمها الطبيعة، تظهر الظلال الخافتة لجهاز محل وهندولا محل والأشجار البعيدة. وعلى سطح بحيرة مونج تالاو المائجة، تتفتح أزهار اللوتس الزرقاء ليظهر قلبها ذو اللون الوردى المائل إلى البنفسجى.

أطلق المغول قديما على ماندو "شادى اباد" أى "مدينة البهجة". وتبرز ماندو التى تقع فى ولاية ماديا براديش، فى صورة منطقة ناتئة، ترتبط بالأراضى المحيطة بها من خلال منطقة بوغازية ضيقة ويحيط بالمنطقة المرتفعة هوة غائرة يطلق عليها كها كرا كوه. وهناك ما يقرب من اثنتى عشرة بحيرة وبركة فى أعلى، لابد وإنها كانت بالنسبة للقبائل الراجبوتية المتناحرة فى القرن الخامس الميلادى بمثابة حصن لا يمكن عبوره.

وكثرة الحصون التى تحيط بماندو تعزى إلى خرافة شعبية تذهب إلى أن فى قديم الزمان كان هناك أمير يدعى جاى سينج ديو كان بمقدوره تحمل النفقات الهائلة التى يتطلبها بناء الحصون لأنه يمتلك حجرا سحريا يمكنه تحويل كل ما يلمسه إلى ذهب. وبعد أن أصبح لديه قدر كاف من الذهب، أهدى الحجر إلى كاهن عائلة الذى غضب لأن يهدى مجرد قطعة من الحجر. ولذلك ألقى به إلى نهر نارمادا. ولكن عندما علم بقيمة الحجر، حاول البحث عنه ولكن عبثا، وتذهب الاسطورة إلى أن الجزء من النهر الذى رسى الحجر فى قاعه اصبح لا يسبر غوره.

وللعديد من القرون، تعاقب على حكم المدينة سلالات هندوسية، شيدت العديد من الأبنية، التى لم يبق منها سوى القليل من الآثار. وتوالى بعد ذلك تدفق الغزاة الأجانب إلى المدينة القديمة. وكانوا من الأتراك الذين استقروا فى بادئ الأمر فى منطقة تعرف الآن بتركستان، تجاور حدود ايران، حيث امتصوا تأثيرات الثقافتين الاسلامية والفارسية. وخلال القرن الحادى عشر، قطعوا طريقا ملتويا عبر قارة آسيا حتى انقضوا بحلول عام 1303 على حصون ماندو ونصبوا أنفسهم حكاماً لسلاطين الغورى فى دلهى.

لم يخلف هؤلاء الأتراك أية صور لهم فى ماندو، وحتى تتسنى رؤية صورهم، يتعين الاتجاه إلى ايران – إلى تابريز أو حيرات، حيث تطل وجوههم من المخطوطات المصورة والآنية المنمقة التى تعود إلى فترة سيلجك. وقد كانوا أناسا ذوى ملامح متسقة ووجوه صافية ووجنات وردية وعيون مسحوبة تعكس ماضى وسط آسيا. كانوا يقدرون الفنون الرياضة كما كانوا فرسانا مهرة، وقد طوروا التصميمات التى تعتمد على الصور والأخرى الرمزية.

وقد خلف أتراك الغورى الذين استمر حكمهم لعدة قرون آثارا خالدة على أرض ماندو، تميزت من بينها قباب المساجد والقصور التى تطاول السماء. وقد كانت هذه الأشكال المعمارية هى التى استخدمها خلفاء سيلجك ممن حكموا ماندو فى وطنهم. غير أن أبناء ماندو من الحرفيين والمعماريين هجروا هذا الشكل المعمارى وما يرتبط به من أشكال أخرى مثل المداخل المصممة على شكل أقواس ولجأوا فى المقابل إلى أسلوب البناء الذى يعتمد على العوارض الأفقية. ولعل هذا الأسلوب يتجلى بوضوح فى مسجدى ماليك مغيث وديلوار خان.

ويعد مسجد جامى أكبر وربما أفخم بناء فى ماندو، وهو ينتمى إلى المرحلة الثانية أو الكلاسيكية من تاريخ العمارة فى ماندو تعلو المسجد، الذى يتميز بساحته الواسعة، قبة كبيرة ويرتفع على جانبيه عدد من القباب الأخرى. وتترك أشكال الأقواس المستخدمة فى بناء المسجد على نحو متكرر تأثيرا هائلا، وقد تم الاستعاضة بها عن الأعمدة والدعامات الأفقية، مما جعل مسجد جامى يترك فى النفس إحساسا بالاشراق والوضوح، طالما ظل المعماريون يسعون لإيجاده. والتصميم بأكمله يتسم بالتماسك والوحدة وتنتمى مفرداته لما أصبح فيما بعد نوعا من العمارة الدينية. وهكذا حل هذا الاسلوب الجديد محل ذلك المستخدم فى المساجد القديمة مثل مسجد ماليك مغيث.

وبصورة ما، تعد آثار ماندو مرجعا وثائقيا يصور قدوم عصر العمارة الاسلامية الذى انتشر فى كافة أرجاء الهند.

وفى مواجهة مسجد جامى، هناك بناء ضخم يطلق عليه اشرافى محل أو "قصر السلطات الذهبية". وقد أتى الزمن على معظم البناء غير أن بقاياه تدل على انه لابد وأن كان ساحرا فى وقت من الاوقات. ويتضح ذلك من آثار الزخارف الثرية التى استخدم فيها الرخام الابيض والملون ومن النوافذ والشرفات التى نحتت بعناية وروعة فائقة.

ويوحى تغير الاسلوب الذى يتجسد فى اشرافى محل والعجلة التى شيد بها البناء بأن انقطاعا قد حدث للسلالة الحاكمة. وبالفعل كان محمود شاه الملك الغورى عندئذ قد مات مسموما بعد أن دبر له هذه المكيدة صديقه وكاتم أسراره محمود خان، الذى استولى على العرش، ووضع بذلك نهاية لسلالة الغورى وبداية لنسل خالجى الافغانى.

وقد كان اشرافى محل فى الأصل يحتضن معهدا إسلاميا نموذجيا، حيث كان الأولياء المسلمون يلقنون الدارسين علوم الفلك والحساب واللغة العربية واللغة الفارسية. وعلى بعد مسافة قصيرة من هذا المعهد، هناك بناء آخر ينتمى للعصور الوسطى وهو عبارة عن نزل صغير، لازالت آثاره باقية على امتداد الطريق إلى ضفاف نهر بوسفورس.

ومن بني آثار ماندو التى تقص جزءا من تاريخها، هناك هندولا محل أو "القصر المتأرجح" الذى يختلف عن سواه ويتفرد بين آثار ماندو بجدرانه الضخمة المائلة وسلسلة الخمسة أقواس مستدقة الرأس التى تقع تحت سطح مستو وطبيعة هذا البناء الغريبة ظلت دائما لغزا يرفض التفسير، فلم يتوافر حتى الآن أى تفسير كامل لسبب بنائه على هذا النحو الذى يجعله يبدو بالفعل كقصر متأرجح.

وعلى النقيض الآخر، يضرب جهاز محل مثالا للأسلوب المشرق الراقى الخيال. وهو بناء ضخم فى طابقين، يمتد على طول ضفاف بحيرتى كابرو تالاو ومونجا تالاو، ليعطى انطباعا للناظر اليه بأنه سفينة فخمة تطفو فوق بحر مضئ.

وفى الطريق من جهاز محل الى رهوا كوند، ينتشر العديد من الأبنية الأخرى، التى يرتبط بعضها بالأساطير وبعضها بالوقائع التاريخية، ولكن يبقى اليوم قادة الجيوش والملوك والملكات من مختلف الأجناس والسلالات، ممن عاشوا فى ماندو حبيسى القصور المهجورة التى بناها الغزاة كشهادة على عظمتهم المؤقتة.