عندما تقص العمارة تاريخ مدينة

من المزج الرائع بين الثقافتين الهندوسية والاسلامية تشكلت لكناو، هذه المدينة الفريدة التى تراها الأعين كأكثر عواصم الولايات الهندية رومانسية، مدينة الأحلام الشرقية التى تمتزج فيها الأبهة بالفقر، الطرق الفسيحة بالحارات والأزقة، المبانى الفخمة والآثار العريقة بالمنتزهات الخضراء الساحرة.
وبرغم أن لكناو هى عاصمة ولاية أوتار براديش، قلب الهند ومحور أكثر الأنشطة السياسية توهجاً فى الهند، فلا زالت المدينة تحتفظ بوتيرتها الهادئة وذوقها الرفيع ومزاجها الخاص.
توالى على حكم هذه المنطقة العديد من السلالات العظيمة ولكنها تاريخياً، تعد جزءا من الامبراطورية المورية.

وقد تعاقب على حكمها، بعد اشوكا، العديد من الحكام العظام، وفى عام 1309 عندما غزا علاء الدين الخالجى جزءا من المنطقة، توافد الحكم الاسلامى بأشكال مختلفة، ولم يمض وقت طويل حتى ظهر بابر على المسرح، ومن خلال عدد من الحروب، أصبحت المنطقة جزءا من الامبراطورية المغولية، إلى أن استولى الإنجليز، من خلال شركة الهند الشرقية، على المنطقة فى القرن الثامن عشر.

ظلت لكناو لفترة طويلة مقر نوابين اوده، الذين اختصوا الموسيقى والرقص والشعر والعمارة برعايتهم وشيدوا العديد من القصور والمساجد ذات القيمة الفنية العالية، لعل أبرزها ذلك الأثر الكبير الذى بناه النواب السخى اصاف الدولة عام 1784 كضريح له والذى هدف من وراء بنائه إلى توفير فرص العمل والطعام لرعاياه الذين كانوا يعانون من المجاعة، وحتى هؤلاء الذين استنفدوا ثرواتهم وجدوا لهم مكانا فى هذا المشروع الخيرى، حيث كانوا يعملون ليلا حتى لا يراهم أحد، وبرغم أن الأثر لم يسلم من تأثير عوامل الزمن، فلازالت الزخارف الثرية والطرز المعمارية تنطلق بالعظمة التى كان عليها البناء والنزعة الابتكارية التى ميزت تصميماته.
ولعل أهم هذه الابتكارات تلك الردهة المصنوعة جدرانها من القطيفة التى يبلغ طولها 162 قدما وعرضها 53 قدما وارتفاعها 50 قدما وترتفع بدون دعامة واحة. لتعد أكبر بناء فى العالم من نوعه. وقد كانت مكانا يذهب إليه اصاف الدولة للاسترخاء واحيانا ما كان يرافقه كبير البناءين كفاية الله.
وخارج الردهة مباشرة، هناك درجات تؤدى إلى شبكة من الممرات والمجازات الزجزاجية المعقدة. وفى داخل المبنى الكبير، يقع على يسار الضريح جامع كبير وعلى يمينه عدد من الأروقة المسقوفة التى بنيت لتكون أماكن للاختلاء بالذات، ومن آثار المدينة أيضا بوابة رومى المعروفة بالبوابة التركية والمؤدية إلى ضريح اصاف الدولة، وتعد البوابة أكثر الأمثلة تعبيرا عن روح العمارة للعصر.
وخلف بوابة رومى، يقع اثر حسين اباد، الذى يعد مفخرة لأى مكان يتواجد فيه، ويرتفع الاثر الذى بناه محمد على شاه كضريح له وسط حديقة رائعة، ويحيط به من الجانبين نسختان مصغرتان لتاج محل، وقد دفن فى هذا المكان ايضا ابنة محمد على شاه زينة وزوجها. ويتميز الفناء الرئيسى بكثرة القباب والمآذن، ويزين مدخله آيات قرآنية وتصميمات ذات أشكال هندسية مختلفة وأخرى استخدم فيها الأرابسك، بينما استخدم فى تزيين الأثر من الداخل الثريات الضخمة والمرايا وأنواع الخشب الملون المختلفة والشمع والورق المطلى.
ويرتفع غرب أثر حسين اباد أحد أعظم وأكبر مساجد الهند، المسجد الجامع، الذى بدأ بناءه محمد عادل شاه وتوفى قبل أن يكتمل البناء، فأتمت المهمة من بعده زوجته
البيحوم ملك زاهان. ويتجلى فى هذا البناء الرائع اسلوب العمارة المغولى، ومن انجازات النواب محمد عادل شاه أيضا متحف الصور، الذى كان يعاد طلاؤه وتجديده بصورة دورية حتى وصل إلينا اليوم محتفظا ببريقه، أمينا على تاريخ فترة ثرية من تاريخ المدينة بما يحفظه بين جدرانه من صور معبرة لحكام هذه الفترة. وبالقرب من هذا المتحف، يرتفع أثر آخر لا تقل أهميته عن سابقه وهو برج الساعة الذى يعد الأطول فى الهند، حيث يبلغ ارتفاعه 221 قدما. وقد بناه النواب نذير الدين حيدر عام 1887.
أما ضريح شاه نجف، فيتميز بكثرة قبابه، ويطلق على هذا الأثر أيضا نجف اشرف. وقد سمى بهذا الاسم نسبة إلى مدينة نجف العراقية حيث توجد مقبرة حظرة على ويدفن فى هذا المكان النواب غازى الدين حيدر وزوجاته وبينهم مبارك محل الاوربية، وقد كان هذا المكان خلال عام 1857 مأوى للمناضلين من أجل الحرية.
ووسط حديقة رائعة فريدة يرتفع المنزل الصيفى للنواب وجيد على شاه الذى شيد أيضا خلال الفترة من عام 1854 حتى عام 1850 منتزها يحيط به صفوف من المبانى التى تشكل منازل آخر نوابين لكناو، ويتوسطها جناح أقيم فى منتصف بحيرة صناعية كانت تتم فيه مراسم اعتلاء العرش بعد عهد سادات على خان.
وفى لكناو أيضا بعض الآثار التى يتجلى فيها اسلوب العمارة الأوروبى، ربما يكون أبرزها بناء لامارتينيو الذى قام بتصميمه الفرنسى كلود مارتين بعد أن هجر بونديتشرى معقل الفرنسيين فى الهند وقرر أن يجرب حظه فى مناطق نفوذ البريانيين،
ويتميز تصميم البناء بأنه استقى العديد من ملامح العمارة الايطالية التى امتزجت بطراز العمارة الهندى والطراز الاسلامى، ليكون بذلك أحد أول الأبنية الشاهقة ذات الطابع الاوروبى التى تشيد فى شمال الهند والذى أثار فضولا دفع حامليه لتقليد البناء على نحو واسع فى الهند.