الطريق إلى لاداك (جامو وكشمير)

يعد الطريق إلى لاداك من أكثر طرق الرحلات إثارة فى العالم. فطريق (سريناجار ليه) ليس مجرد مسافة تقطعها، بل تجربة تعيشها.
ويعد الطريق من (زوجى) الى (لا) أكثر الطرق جاذبية للرحالة المغامرين، وهو ليس بالطويل ولا بالقصير، فيمكنك أن تقطعه خلال يومين وليلة واحدة، وهى رحلة لا تكلف الكثير إذا ما قطعتها بواسطة سيارة أجرة. كما أنه يمكنك أن تقتصد فى هذا المبلغ اذا ما قسمت الرحلة إلى أربعة مراحل تستقل خلال كل منها الأتوبيس، وهذه الطريقة لم تكتشفها الغالبية العظمى من السياح، فالطريق يبدو خطيرا، حيث تعد نهايته أوعر الطرق العامة فى العالم، إلا أنه قلما يشهد حوادث.
وتأخذك هذه الرحلة عبر ممرات عالية يكسوها الجليد ودور ترجع الى عصور سالفة أصابتها الشروخ وقرى تعزل عن العالم لستة أشهر كل عام وسلسلة جبال الهمالايا الشاهقة التى تمر بشبه القارة، وتعبر حدود (الزانزكار) وتمر بأراضى (أوراسيا) الباردة حيث يجرى الأتوبيس، وتصبح فوق قمة تعلو عن الأرض بارتفاع 3.500 متر.
أما عن الهدف البعيد من هذه الرحلة التى تقطع فى 435 كيلو مترا فهو بالطبع المدينة الجبلية الاسطورية (ليه).
وتبدأ الرحلة بالعاصمة الصيفية الجميلة لكشمير (سرينجار) التى تتوسط بحيرة تطفو عليها السفن الذهبية ذات الإطفاء المتلألئة، تحمل على متنها العرسان الذين جاءوا لقضاء رحلات شهر العسل وهم هائمون فى أحلام المستقبل، وعلى امتداد الطريق تنتشر الحقول المضيئة التى تعج برجال ونساء القرية وهم يغنون فى سعادة بينما يعملون فى حقول الأرز التى تشبه البساط الأخضر الممتد، وعلى طول الطريق أيضا، تلتقى بالرعاة الذين يطلق عليهم (باكروال) تتقدمهم المئات من الأغنام والماشية. ويتقدم رجال الـ (باكروال) القطيع ليرعى فى المنحدرات أسفل اشجار الصنوبر وأشجار الحور، متحدين الصعاب وعابرين مصارف الأنهار المتجمعة من الثلوج الذائبة، وهم دائما بصحبة كلاب متوحشة، لا تدع فرصة لأى من الغنم لأن يتخلف عن القطيع أو لغريب لأن يقترب منه.
ويسير مسن وزوجات وأطفال الـ (باكروال) بصحبة الخيول ومعهم معدات الخيام وعدد آخر من الكلاب، يقومون بنصب معسكر اتهم وتتطاير الأدخنة معلنة الانتهاء من إعداد طعام العشاء فيلحق بهم بقية الجمع.
يبدأ الطريق هنا فى الزحف نحو بلد عال حيث تمتاز القرى بالأسطح المنحدرة التى تعطى الفرصة لوجود ملاحق صغيرة لمنازل الـ (جيجارز)، وهم أيضا رعاة كانوا فى وقت من الأوقات مثل الـ (باكروال). ولكن معظمهم استقر وشيد بيوتا ذات أسطح مستوية، ولحمايتهم من انحدارات الجبال زرعوا الذرة،ومعظم البيوت ذات أبراج خشبية رفيعة حيث يجففون عيدان القمح فى شمس الصيف.
وفى هذه المنطقة يعلو الطريق نحو الجبل. والآن وقد تركنا بيوت الـ (جيجارز) خلفنا وأصبحت الأرض وعرة الجبال أكثر صعوبة وبدت قمة الجبل وقد علتها الثلوج، فنحن اذن فى الطريق الى مزرعة قريبة ولكنها لا تفتح أبوابها غلا بقدوم الربيع، وتنام فى فصل الشتاء ملتحفة بالثلوج فى صمت مخيم على المكان.
وفجأة تجد نفسك أمام واد أخضر محاط بجبلين تعلوهما الثلوج وتنتشر الماشية والخيول على سفح هذا الوادى، ويخيل إليك أن هذين الجبلين قد وصلا بصورة درامية فى قمة واحدة مغطاة بالثلج، وترى أجمل ما يمكن أن تقع عليه العين، عندما تشرق الشمس متلألئة كقطعة ماس بألف وجه.
ويتوقف الطريق المؤدى الى هذه الجبال عند قرية ذات شوارع ضيقة، وعلى الجانب الأيسر، تصطف المحال ذات الواجهات المفتوحة، وعلى الجانب الأيمن تنتشر الأكواخ الخشبية التى أعدت للسائحين.
قطعنا الآن مسافة تبلغ 86 كيلو مترا، وها هى (سونامارج) بوابة جبال الثلج المتجهة الى (لا) تلوح فى الأفق.
تسير حركة المرور فى الخمسة والعشرين كم الأولى من طريق الجبل، التى تعد أصعب جزء فى الرحلة، فى موكب واحد يحرسه بعناية رجال الحدود، الذين نظموا أنفسهم فى مجموعات تقوم على خدمة الطريق، فيزيلون الصخور التى سقطت من الجبال، وينزحون مياه الثلوج الذائبة التى تعوق حركة الطريق ويساعدون المركبات التى تعطلت أثناء الرحلة.
ومن هنا تبدأ رحلة التحدى للوصول الى (لا)، وكما تكون اللعبة الصغيرة فى يد الطفل، تتأرجح السيارة وتزحف الناقلة على الطريق غير الممهد، الذى شهر من التقلبات
المناخية ما لا يصمد أمامه أى سطح فى العالم، فهناك القوة الخارقة للثلوج والقوة الصاعقة للصخور المتساقطة والبرد القارس الذى يصل إلى ما تحت الصفر والذى يتلف أصلب الخرسانات، وكيف يتأتى لإنسان أن يبنى صلبا متينا اذا كان الجبل يتحرك، وكأنه وحش لا يهدأ، وقد اهتدى المهندسون الذين يقومون بترميم أصعب الطرق فى العالم، بمنتهى الحكمة الى أن يقطعوا فيما بين الجبال ويجعلوا الطريق الدائرى هو المكون لهذه الحدود العظيمة.
وهكذا يتشابك الطريق كخيوط العنكبوت مع جانب البرج العلوى للجبل الأكثر عرضة للرياح، ويعطى صورة واضحة شاملة للوادى المفتوح أسفل الجبل، وتستطيع أن ترى وأنت واقف هنا سفح الجبل على ألوف الأقدام، ونسمع صوت شلالات المياه يدوى عاليا، كما تستطيع أن ترى على مرمى البصر خيط النهاية لطريق الحرير القديم، الذى كان يستخدمه المسافرون قديما من التبت والصين، حاملين الثروة الهندية والحكمة وعقيدة بوذا وحيث نزل موكب (ياك) بالمسك والعنبر والفحم الحجرى وحكمة التبت الإنسانية.
بدأنا الآن فى المرور حول حوائط وجدران من الجليد وممرات نحتت عبر الثلوج ونصب تذكارية صفراء تقف وحيدة تشير الى الماضى ومزارات صغيرة مهداه إلى رجا بواسل فقدوا حياتهم وهم يبنون ويشيدون هذا الطريق، وتأتى الرياح من أعالى الجبل محملة بأغان تثير الذكريات.
تمر الآن بأكثر المنحدرات إثارة للتحدى، وتنظر خلفك للمرة الأخيرة لتجد وادى (كشمير) الأخضر أسفل الجبل، والأنهار الفضية تجرى عبره وتشير إليك أن "وداعاً"، فأنت على وشك أن تعبر الجبال الى عالم آخر.
الآن وقد عبرنا الجبل، ووصلنا الى ممر (زوجى لا) تتجمد حقول الجليد، وتبسط صفحات بيضاء على طول الطريق المزدحم بالثلوج، وإذا تركنا الجليد جانبا نجد أمامنا الجبال الخالية إلا من النذر اليسير من الأعشاب، نقف الآن أمام النقطة العسكرية وأمامنا علامة تقول : "امسك أنفاسك، فأنت تدخل لاداك".

نحن الآن أسفل خط الجليد، حيث تجرى حول المراعى الخيول نصف المتوحشة وماعز الباشمينا ذو الشعر الطويل الذى يعد مصدر الصوف الكشميرى القيم، وحوافره الصغيرة تنقر مثل حبات المطر التى قلما تسقط فى هذه الصحراء. وفى الأماكن المحمية، يزدهر الورد محاولا أن يبث الحياة فى أيام الصيف القصيرة.
أما عن الجبال، فهى خالية خاوية، تشوبها ألوان الرمادى والبنفسجى والزعفران والأخضر والوردى ولون الصخر، وهذه الجبال لم تمسها مياه الأمطار أو تمد اليها يد للزراعة. ولكن هناك بعض الحقول الخضراء التى تنتشر حيث المياه المنحدرة من قنوات تبعد بعض الكيلومترات وعلى بعد 37 كم من النقطة العسكرية، تصل الى (دراس)، أكثر الأماكن برودة بعد سيبيريا، والتى يغطى القمح حقولها بقدوم شهر يونيو.
وعند غروب الشمس، يسترعى انتباهك الصخور المنحوتة التى تقف على جانبى الطريق. ولا نعرف هل نحتت بأمر من الامبراطور (اشوكا) فى القرن الثالث قبل الميلاد، وهو الذى قيل عنه أنه أدخل البوذية فى (لاداك)؟ أم أنهم بعض الكشميريين؟ لا أحد يعلم حتى الآن.
يخفت الضوء بسرعة فى هذه المنطقة حتى قبل أن تستطيع قطع ما تبقى لك من كيلو مترات، يعم الظلام المكان ولا تسمع سوى صوت سقوط المياه من حولك، وتقضى الليلة فى بيوت الضيافة المتوفرة هنا.
وفى صباح اليوم التالى، بينما تهب النسائم المحملة بزهور القطن المتطايرة من الأشجار، تقف لتتأمل نهر (سيرو) وعلى امتداد البصر قرية معلقة على الجبال محاطة بأشجار المشمش.
يعم المكان هنا الهدوء والسكينة اللذان يخلقهما اللون الأخضر، واللذان يقطعهما فى أوقات الصلاة صوت المؤذن القادم من المسجد ذى القبة الخضراء الذى يقع فى الشارع الرئيسى فى كارجيل، وهو أيضا الطريق من (سرينجار) إلى (لا).

وفى الطريق الى (لا)، ستجد أن معظمه قاحل أجرد، فالأنهار تجرى فى عمق الجبال منذ ملايين السنين، ولكن فى أماكن مثل (ملبك)، تجد أن الجبال قد امتدت فى وادى النهر وتبدو سفوحها كأبراج مفتتة وكأنها مخلفات حرب، ومع هذا يبدو الوادى أخضر، وسمته هى سكان هذه المنطقة.
تترك الوادى الجميل على مضض وتبدأ فى الصعود مرة أخرى حيث تصل أعلى ارتفاع، وتبدأ السيارة فى الأنين من جراء الهواء القارس البرودة.
والآن، لابد أن تتسلق أعلى وأعلى حتى تصل إلى (فاتوك). وها قد وصلت إلى نقطة أعلى من أى جبال فى المملكة المتحدة، ومن معظم جبال أوروبا فالرياح هنا تشبه السكين أما البرد فيشطر كالموسى، لابد أنك تتوق إلى بعض الراحة فى هذه المناطق الخلابة والجبال الرائعة، فأنت على الطريق منذ أربع وعشرين ساعة.
إن قرية (ناميورا) هى المكافأة التى ستحصل عليها. وسوف يبقيك جمالها يقظا طوال الوقت، و(ناميورا) مكان للسحرة والتنينات والقوى الخارقة، وهناك أسطورة تقول إنه فى يوم من الأيام كان هناك بحيرة مليئة بالثعابين البشرية حول الصخور التى كونت هذه القرية، وما بقى منها الآن مجرد فوهة بركان لأرض مقفرة موحشة خالية من الحياة مثل سطح القمر.
والغريب هنا أن الجيولوجيين يؤكدون أن هذه البحيرة كانت هناك منذ حوالى ثلاثين ألف عام. وهنا لابد أن تتعجب كيف لذاكرة انسان أن تحمل هذه الاساطير عبر كل هذه السنين!
أنت فى الطريق الآن الى قرية (خالاتس)، وهناك موقف اجبارى لاحتساء الشاى، حيث تقابل بوجوه مبتسمة، فقد قطعت 144 كم من (كارجيل، يقدم لك الأرز مع الكارى والبيض المسلوق، وهى أكلة من اشهى ما يشتهر به المكان. والجو هنا ساعد على فتح الشهية بدرجة كبيرة. أما ما بقى للوصول الى (لا) فيبلغ 78 كم فقط.
يبدو الطريق الآن أكثر رحمة ورفقا بالانسان وهو يتبع نهر (الأندوس)، الذى يجرى بين الحقول الخضراء، وتظهر التلال البعيدة تتوج (اسبيتاك) التى لا تزال بعيدة،إلا أنه من السهل تمييزها لأن المسافات لا تعنى شيئا فى مثل هذا الجو النقى.
وهنا تظهر أسطح (لا) المستوية بين الأشجار الممتدة على الطريق، ولكن قبل أن تتيقن من وجودها، تجد نفسك وسط السوق على التل.
الآن يصل طريق أكثر رحلات المغامرة إثارة فى العالم الى نهايته، ويبدو أنك تعب ومرهق بعض الشئ.. لقد انتهت رحلتك، وبدأت رحلة أخرى أكثر إثارة لاكتشاف (لاداك).