جايبور.. مدينة محصنة بأسوار التاريخ

جايبور.. مدينة تعرف رسميا بعاصمة ولاية راجستان.. وشعبيا بـ "المدينة الوردية".. تطوقها أسوار تحمل ذكرى المعارك التى خاضها أبناء المدينة.. وتلال وعرة ترصعها قلاع تشهد بثراء فترة غالية من تاريخ الهند.
أسس المدينة عام 1727 أحد أعظم حكام عشيرة كاشها والا، عالم الفلكا لمهراجا سواى جاى سينج (1699-1743). اعتلى سينج العرش وهو يبلغ من العمر أحد عشر عاما. وظهرت دلائل عبقريته فى هذه السن المبكرة. وخلال فترة حكمه، واجه العديد من المشكلات والصعاب، ولكنه استطاع أن يتغلب عليها جميعا، بما أكد قوته وقدرته كحاكم على ترسيخ الأمن والاستقرار. بحلول عام 1725، قرر سينج تشييد مدينة أكبر لينقل إليها عاصمته فكانت جايبور.
يعد سينج أول حاكم هندى يدرس الرسوم التخطيطية لبعض أهم المدن الاوربية، ليستعير منها ما يتوافق مع المبادئ التى أرساها كتاب "فن العمارة" الهندى، مما جعل من هذه المدينة المميزة تحفة معمارية تجتذب محبى السلام والهدوء من التجار والحرفيين بشوارعها وبيوتها الواسعة. ومن هنا انتشرت فى المدينة الحرف اليدوية التقليدية مثل صناعة الحلى والاشغال المعدنية والحفر والطلى وتشكيل الصخور والخزف والأعمال الجلدية ورسم المنمنمات. ولا تزال هذه الحرف، التى نعمت برعاية الحكام واهتمامهم خلال القرن الثامن عشر، تعيش حتى يومنا هذا فى تناغم كامل مع مظاهر المدنية الحديثة. فبينما تتسع شوارع المدينة العريضة لأعداد السيارات والمركبات المتزايدة، هناك أيضا مكان للعربات التى تجرها 
الجمال والعجول، بالإضافة إلى أسراب الدراجات التى لا تنتهى.
ولأن جايبور مصممة وفقا لأسس العمارة الهندية القديمة، فهى تتبع نظام التقسيم الشبكى وتطوقها الأسوار والجدران من كل مكان. فى قلب المدينة، يقع القصر الرئيسى والذى يعد أهم معالم المدينة على الاطلاق، حتى انه يطلق عليه "القصر"، بصيغة التعريف، كما لو لم تكن هناك قصور أخرى فى المدينة سواه. يحتل هذا القصر مكان الشبكة المركزية. أما بقية الشبكات فتقطعها، فى تناسق واتساق حارات واسعة تقسم المنطقة إلى مستطيلات مقسمة بين الاستخدام التجارى والسكنى.

يضم "القصر" عددا هائلا من المبانى والأفنية والبوابات والمعابد، إذ يشغل سبع مساحة المدينة. كما يضم بناء هائلا ذا سبعة طوابق يحوى تشاندرا محل ومبارك محل والديوان العام والديوان الخاص. ويعرض تحف القصر مجموعة نادرة من الأسلحة والسجاد والأزياء واللوحات والمتعلقات الشخصية الملكية. ومن بين المعروضات وعاءان من الفضة الخالصة، يعدان أكبر قطعتين من الفضة فى العالم. وقد كان هذا القصر فيما مضى منزلا للعائلة الملكية آنذاك.
فى مقابلة "القصر"، هناك أثر آخر يعد من بين عجائب فنون العمارة فى الهند وهو مرصد جانتر مانتر، أحد المراصد الخمسة فى الهند، بناه مؤسس المدينة سواى جاى سينج، وهو أكبر المراصد الخمسة وأحسنها حالاً. يضم المرصد مجموعة معقدة من الأدوات الخاصة برصد حالات الجو، منحوتة من الصخر. والأمر المثير أن معظمها لا يزال يعمل بصورة جيدة ويعطى تقارير دقيقة عن حالة الجو.

بالقرب من "القصر" أيضاً، هناك قصر الرياح الذى بناه المهراجا سواى براتاب سينج عام 1799. وأهم ما يميز هذا القصر بناؤه الذى يطل على أحد الشوارع الرئيسية فى المدينة. وقد كانت نساء البلاط فى الماضى القريب يجدن فى شرفاته مكاناً ملائما لمشاهدة ما يجرى فى أروقة المدينة دون أن يراهن أحد. يأخذ بناء القصر شكل تاج يزين رأس ملك. ويوجد داخل مبنى القصر عددا من المعابد، أهمها معبد جوفيند ويفجى المقام للورد كريشنا.
ومن بين ما يكاد يصيح عاليا بعراقة المدينة ما يطلق عليه إكليل القلاع، وهو عبارة عن ثلاث قلاع تبدو وكأن خيطا واحدا يجمع بينها، برغم أن كلا منها قد شيد فى فترة مختلفة. أول هذه القلاع هى قلعة النمر، ويعود تاريخها إلى عام 1734، وتقع شمال غربى "القصر". وقد كانت فيما مضى معتزلا لإحدى العائلات الملكية، فتتميز أكثر ما تتميز بالمناظر الرائعة التى تطل عليها شرفاتها ليلا ونهاراً.
القلعة الثانية هى قلعة النصر، وهى قلعة حصينة بناها سواى جاى سينج عام 1726. وظلت تحتضن الخزانة الملكية للعديد من الأعوام. ويوجد بالقلعة أكبر مدفع يرتفع فوق عجلات فى العالم، كما يوجد بها نظام لتوفير وتخزين المياه يعد مثالا مذهلا للتخطيط السديد. وللقلعة متحف خاص بها يضم كل ما يؤرخ للفترة المعنية.
أما قلعة قمر، فهى أكثر من مجرد قلعة مبهرة، حيث تقف شاهدا على تاريخ مدينة قمر نفسها. بناها على حافة التلال راجا مان سينج فى القرن السادس عشر. واستخدم فى بناء القلعة التى تمثل مزجا بين العمارة الهندوسية والعمارة الاسلامية، الأحجار الرملية الحمراء والرخام الأبيض.
ولأن سواى جاى سينج كان حاكما قادرا على ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، فقد كان يدرك أهمية تحصين المدينة من أى اعتداء خارجى، ولذلك قام بتحصين المدينة

بأسوار عالية حصينة، يمكن اجتيازها من خلال سبع بوابات. غير أن المدينة توسعت اليوم فيما وراء هذه الأسوار وامتدت إلى المدن المجاورة، ولا تزال تنمو وتزدهر. كما لا تزال تحافظ على طابعها العريق ولونها الوردى الذى استخدم فى طلائها منذ القدم لخلق الانطباع بمبانى الحجر الرملى الذى تتسم به المدن المغولية.