حيدر آباد..

مدينة أرسى العشق أساسها *

 

عندما يبنى المدينة شاعر وخبير فى فنون العمارة ومتذوق للجمال، يكون من المتوقع أن تتصف بالجمال والتوازن والتناسق. ولكن عندما يكون الباعث وراء بناء المدينة واحدة من أجمل قصص الحب، يصبح كل شئ على أرضها مختلفا.

ارتبط بناء مدينة حيدر أباد بقصة حب بين الأمير محمد قلى وفتاة قروية بالغة الجمال، هام الأمير بحب الفتاة التى كانت تعيش فى قرية شيشلام عبر نهر موسى، وكان على استعداد لفعل أى شئ من أجل محبوبته، حتى أنه كان ليقدم على عبور النهر وقت الفيضان من أجل الحفاظ على موعد لقائها، مما دفع والده، إبراهيم قطب شاه إلى بناء جسر فوق النهر حتى لا يعرض ولى العهد حياته للخطر. عندما تولى محمد قلى العرش، شيه بناء هائلا مكان القرية أسماه تشارمينار، وأطلق على المدينة اسم "بهاجناجار" إرضاء لمحبوبته "بهاجماتى" وفيما بعد تحول اسم المدينة الى "حيد أباد". وكلمة "بهاجناجار" تعنى حرفيا "مدينة الحظ السعيد". فى عام 1652، قال عنها الرحالة الفرنسى ترافينيه "أنها مدينة بنيت على نحو متسق، ومن أجمل ما فيها أنها مدينة مفتوحة". وفى عام 1672، جاء فى كتاب رحالة آخر أن المدينة فتنته كمركز للتجارة فى الشرق. واليوم، تعد حيدر أباد وتوأمتها سيكندر أباد، التى كانت فيما سبق منطقة معسكرات للانجليز، واحدة من أكثر مدن الهند انتعاشا وازدهارا.

بنيت مدينة حيدر أباد على غرار مدينة أصفهان فى إيران تحت إشراف رئيس الوزراء عندئذ مير منعم، وكان شاعرا وخبيرا بفنون العمارة ومتذوقا للجمال. حاول مير منعم أن يخلق من هذه المدينة جنة على الأرض لتلائم مكانة محمد قلى كأعظم حكام قطب شاهى (أو مملكة كولكندة 1512-1687، التى قامت على أنقاض الدولة البهمنية على أيدى إحدى سلالات المسلمين الخمس المستقلة فى جنوب الهند والتى حكمها سبعة سلاطين).

يرتفع بناء تشارمينار، محور المدينة فى نقطة تقاطع طريقين واسعين، ليبدو وكأنه نقطة تتفرع منها أربعة طرق تشير إلى الأربع جهات الأصلية. يأخذ البناء شكل مربع، يبلغ طول كل ضلع من أضلاعه مائة قدم، وفوق مساحة المربع يعلو الأثر ذو المداخل المقنطرة، ويحوى الصرح العديد من المداخل المقنطرة الصغيرة التى صممت رأسيا وأفقيا. ويدعم إفريز الدور الأول سلسلة من ستة مداخل مقنطرة وتيجان أعمدة على كل واجهة. وتضيف نتوء الأسقف والتكتيفات وزخارف الجص روعة وجمالا للبناء، يبلغ جمال الزخارف ذروته فى الساحة العلوية، التى كانت تستخدم كمكان للصلاة والدرس. أما المآذن الأربع المقامة فى نقاط زوايا المربع، فترتفع عن قاعدتها الشبيهة بأوراق زهرة اللوتس بمقدار 180 قدما.

عندما بنى تشارمينار، انتشرت حوله الأسواق والمحال التى أضافت، برغم عشوائيتها، إلى الأثر روحا نابضة بالحياة. لا تزال هذه الأسواق موجودة وتضم اليوم ما لا يقل عن 14 ألف محل تجارى، تجتذب كافة أنماط البشر بشرقيتها الطاغية.

بالقرب من تشارمينار، ترتفع أربع بوابات مقنطرة رائعة للقصر الملكى. وللأسف لم يبق من قصور قطب شاهى الملكية فى حيدر أباد سوى القليل، حتى الحدائق اختفت من على أرض المدينة ولكن بقيت المساجد.

 

من بين أروع تلك المساجد مسجد مكة الذى بدأ بناؤه فى عهد محمد قطب شاه عام 1617 وتم استكماله فى عهد اورانجزب عام 1693. وهو بناء ذو ساحة رحبة تتسع لما لا يقل عن عشرة آلاف مصل. وقد أفاض الرحالة ترافنيه فى كتاباته فى وصف الكتل الصخرية الضخمة التى تم جلبها وتقطيعها لكى تستخدم فى بناء المسجد، الذى تبدو مآذنه متضائلة مقارنة بحجم البناء الضخم. غير أن ما يلفت الانتباه فى ذلك المسجد أنه يبدو وكأنه ينتمى للعصر المغولى أكثر منه للقطب شاهى، ربما لما يضمه من أعمال جرانيت متقنة ولساحته الرحبة أيضا. ويسود اعتقاد بأن إحدى الكتل الصخرية للمحراب قد جلبت من مكة. ولذلك أطلق عليه مسجد مكة.

هناك أيضا المسجد الجامع ومسجد طولى. وهما بلا شك صغيران ومتواضعان إلى جانب مسجد مكة. بنى المسجد الجامع عام 1592 فى عهد محمد قلى شاه بعد تأسيس حيدر أباد. فى حين بنى مسجد طولى موسى خان المشرف على بناء مسجد مكة. وكان يجبى ضريبة على كل روبية تنفق فى بناء المسجد. ومن ذلك المدخر بنى مسجد طولى بالقرب من بورانابل.

توفى أورانجزب عام 1707 أى بعد سبعة أعوام من وفاة أبى الحسن شاه، أخر حاكم قطب شاهى سجنه عام 1700 وأعلن الحاكم المغولى لحيدر أباد، مير قمر الدين خان الملقب بنظام الملك لاستقلال لتبدأ سلالة اصاف جاهى. وجدت سلطة المغول الآفلة نفسها عاجزة أمام قوى التفسخ. ولكن هؤلاء الحكام كانوا على درجة من الثراء لا يسمع عنها سوى فى الأساطير. وتنتشر حتى الآن قصص مقتنياتها من الميداليات الذهبية والألماس واللآلئ بطول الأرض وعرضها. ومن ذلك أن مير عثمان على خان آخر نظام لحيدر أباد، قبل أن تنضم إلى اتحاد الولايات الهندية، كان فى مقدمة قائمة أثرى الشخصيات فى العالم.

لم يبن هؤلاء الحكام قصورا أو مساجد ذات شأن إلا قليلا. فهناك قصر فلكنوما الذى بناه آخر نظام ويضم مجموعة من أجمل القطع الفنية والمطرزات والسجاد بالإضافة إلى أكبر مجموعة قطع فردية من الألماس. وفى ذلك القصر، استقبل النظام كبار الشخصيات الملكية العالمية مثل الملك جورج السابع والملك ادوارد السابع.

ومن بين أروع ما خلفته سلالة قطب شاهى من آثار تلك البحيرة الصناعية التى أنشأها ابراهيم قطب شاه عام 1550 تقريبا وأطلق عليها بحيرة حسين ساجار، اعترافا بجميل حسين شاه والى الذى شفى على يديه من أحد الأمراض.

ولأن حيدر أباد مدينة ينطق كل ركن فيها بثراء التاريخ، كان من الطبيعى أن يقام على أرضها عدد من المتاحف التى تحفظ ذلك التاريخ. ويعد متحف سالارجانج أكبر متحف فى العالم يضم مقتنيات وقطعا فردية، بالإضافة إلى بعض من أندر القطع الفنية، وقد أطلق على المتحف اسم على خان، الملقب بسلارجانج (1853( وكان رئيسا لوزراء النظام عندئذ، وذلك لأنه شغف بجمع الدرر الفنية الثمينة أينما سافر. وشيئا فشيئا نما ذلك شغف بداخله حتى بلغ حد الاستحواذ. فبدأ يجمع فى نهم كل ما تقدره عيناه من تماثيل وساعات حائط وسجاد ولوحات ومخطوطات.

يضم الجزء الشرقى أثمن مقتنيات المتحف من مخطوطات ونسخ مختلفة من القرآن الكريم وبعض من أشهر الكلاسيكيات المستخدم فيها أشكال الخط المختلفة لرواد هذا الفن. أما غرفة الأحجار القديمة، فتعرض أجمل ما قد تقع عليه العين من صناديق وإطارات مرايا وحلى مرصعة بالأحجار الكريمة، وهناك أيضا المجموعة الصينية الرائعة التى تعود إلى عصر سلالتى سانج ومينج (1000-1500 ميلادية) والى عصر كانج – هى (1500-1700 ميلادية) وتعكس صورة ناطقة لثراء الحضارة الصينية. ومن روعة شغل التطريز اليابانى وتفرد الأشغال اليدوية لأهل التبت وعراقة الآثار الفرعونية لثراء المقتنيات الهندية وجمال المجموعة الفارسية وأصالة اللوحات الفنية الأوروبية تتشكل بقية أجنحة المتحف.

إن حيدر أباد تعد بحق واحدة من المدن الهندية القليلة ذات التراث الثقافى الأصيل، الذى يثير بين أبنائها الحنين إلى الماضى ويدفعهم الى الاعتزاز بالحاضر والعمل من اجل المستقبل، ولعل حيدر أباد تجسد اكثر من أى شئ آخر صورة صادقة لعلمانية الهند ذات الجذور الراسخة. فقد دأب محمد قلى على القول بأن لا فرق لديه بين مسلم وغير مسلم لأن الحب هو أساس كافة الديانات. هذه العلمانية وثقافتها المركبة هما ما خلفتا بمرور الوقت روح حيدر أباد، التى وصفها جواهر لال نهرو بأنها "صورة مصغرة من ثقافة الهند" وصورها الشعراء كجنة على الأرض.