
يعد نهر الهوجلى مصدر الحياة لسكان السهل الغرينى المعروف باسم داكشين راهر بهومى. وتفيد المراجع التاريخية أن وجود الحياة السياسية والاجتماعية فى هذا المكان ذكر للمرة الأولى فى القرن الثانى عشر عندما تحالف ملوك شمال البنغال مع الحكام المحليين. وقد دخل الحكم الإسلامى البنغال بعد ذلك بمائة عام، وشهدت الثلاثمائة عام التالية انتعاش التجارة وأصبحت منطقة الهوجلى، حيث منبع النهر فى كلكتا، مأوى بعض أثرى تجار وأهل الفكر البنغاليين.
ومن السمات الخاصة التى ميزت ضفتى نهر الهوجلى تلك الدرجات التى تهبط الى النهر. وقد دأب الناس على العيش على هذه الدرجات وممارسة حياتهم اليومية بصورة طبيعية، بما فى ذلك القيام بملء المياه وغسل الملابس والآنية، فضلا عن إقامة الحفلات الدينية والاجتماعية، كما كانت تلك الدرجات بمثابة مرسى للسفن وميناء لنقل الاشخاص والبضائع عبر النهر بواسطة المراكب وبزيادة عدد السكان، حدث توسع فى نظام المعيشة على امتداد السهل.
وفى القرنين الخامس عشر والسادس عشر هبط فى هذا المكان البرتغاليون الهولنديون والفرنسيون تلاهم الدنماركيون، الذين قاموا ببناء المصانع والقلاع على الموانئ الطبيعية التى تمتد من الهوجلى الى شريرامبور، وقد بقى تراثهم ليروى قصة أوربا المصغرة التى قامت على امتداد الضفة اليمنى للنهر. غير أنه بحلول منتصف القرن التاسع عشر، فرض الانجليز سيطرتهم على الضفتين.

وقد كان البرتغاليون مبعدين يتصرفون من منطلق أن ليس لديهم ما يخسرون إلى جانب أملهم الكبير فى نشر المذهب الكاثوليكى، غير أن الحكام والتجار الأوروبيين الذين تلوهم أمثال جوزيف فرانسوا دوبليكس واول بى كانوا ذوى رؤى أكثر عمقاً. واليوم، أصبحت منازلهم مزارات أثرية، بدأت العلاقة المادية بين الأوروبيين والضفة اليمنى من النهر من خلال مخازن السلع، التى تعد أول مبان أسمنتية أقيمت أمام واجهة النهر. وكان من البديهى أن تنتشر حولها المرافق التى تقدم الخدمات الضرورية للتجار الذين يتوقفون فى هذا المكان. وحالما كان الأوروبى يكتسب الثقة والثراء، يبدأ فى بناء ما تتطلبه الحياة المستقرة من مرافق كالكنيسة والمنزل، ثم فى مرحلة لاحقة منزل الحاكم والمدارس والكليات.
لم يمض وقت طويل حتى انتشر على ضفتى الهوجلى طراز جديد للعمارة أطلق عليه الطراز الهندى الأوربى، وضع تصميماته العسكريون باستخدام ومزج الأساليب اليونانية من دورية وايونية وكورثية. وقد فرض المناخ الرطب بعض المتطلبات فى البناء كالأسقف العالية والشرفات المنخفضة وامتزج ذلك بإضافة السمات التى من شأنها أن تذكر الاوربى بوطنه، ولا يمكن هنا إغفال دور السباق الذى اشتد من اجل ابداء التفوق ومن ثم الحاجة الى الابهار، وهو ما لجأ بالاوربيين لجلب قطع البناء والديكورات كاملة من شرفات ودرجات ومفروشات وتماثيل على متن سفن كبيرة.
وفى تلك الاثناء، ظهرت طبقة جديدة من التجار البنغاليين الذين اثراهم العمل لى الاوربيين، سعى هؤلاء التجار لايجاد مواقع متميزة لبناء منازل جديدة لهم شبيهة فى طرازها بالمبانى التى تحيط بهم بينما تحتفظ بالسمات التى تعكس اسلوب حياتهم، فتفننوا فى جمع الطرز المعمارية، مستخدمين فى زخرفة الواجهات الخارجية الخصائص الباروكية والركوكية، فأعادوا بناء بيوتهم وأقاموا لقصور الزاخرة بقطع الأثاث الاوربية المعاصرة، بما يحفظ الطابع الجمالى ويدخل نسيم النهر.
لم يقتصر تأثير التواجد الاوربى على إدخال هذا الشكل الجديد من العمارة الحضرية، التى تجلت أيضا فى مبانى المعابد التى أقيمت حينئذ، بل امتد ليشمل نظام التعليم. فقد وجدت المدارس الاسلامية والهندوسية هناك لمئات الاعوام، وعمل إدخال نظام التعليم الاجنبى على إيقاف أى عمليات تحديث لهذه النظم القديمة، وبدأت العملية التعليمية تتخذ اتجاهات أخرى، كان من نتائجها إقامة أول مدرسة للفتيات، فضلا عن إنشاء المكتبات العامة. وتعد المعارض الدائمة التى دأب الاوربيون على تنظيمها أحد إسهاماتهم الثقافية الأخرى والتى تحولت فيما بعد الى متاحف أثرية.

وفى القرن السادس عشر أبحرت السفن البرتغالية الى سابتاجرام، الذى اعتبر مركزا تجاريا مزدهرا وثريا خلال الحقبة الاسلامية، وخرج التاجر البنغالى، الذى عرف بالفعل كبحار ماهر، مبحرا الى خليج البنغال. وقد أثرت مغامراته عبر البحار السبعة القصص الشعبية البنغالية، ومن خلال القنوات المائية الداخلية، وصل الى البلاط المغولى محملا بالهدايا القيمة.
وبحلول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان قد أعلن ميلاد الشعر والدراما البنغالية، وتعهد الحكام برعاية المواهب المبشرة، التى قدمت فيما بعد إسهامات عظيمة فى هذا الصدد.
وبينما اشتد الصراع بين البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين لإقامة مستعمراتهم، علت القلاع ذات الجدران العالية والتى أقيمت على الطراز الاوربى فى العصور الوسطى، واختلف الدنماركيون فى أنهم لم يكن لديهم مثل هذه الطموحات. وقد تهدمت هذه القلاع بمرور الزمن ولم يبق منها الآن سوى المواقع التى أقيمت عليها.