جواليور.. موعد مع الرومانسية

ربما تكون جواليور، بموقعها فى وسط الهند، أكثر المدن روعة وإثارة لكل من يهوى الجمال ويعشق التاريخ، فمناخها المعبق برائحة التاريخ ونسمات الرومانسية يفتن الألباب ويسحر القلوب.

والحديث فى المدينة لا ينقطع عن آثارها وماضيها المجيد.. سيل جارف من ذكريات ما تعاقب عليها من ممتلكات وسلالات حاكمة تجسدها آثارها الباقية من قلاع ومعابد، ولعل روعة جوايور وسحرها الفريد يكمن فى أن إيقاع القرن العشرين يدب فى المدينة ذات الآثار التى تعور إلى تاريخ موغل فى القدم، فالأحداث اليومية تسير وفقا لوتيرة الحياة العصرية أمام قلعة راجا مان سينج وغيرها من الآثار التى تقف كشاهد صامت على سنوات وسنوات من التاريخ. وفى كافة أرجاء المدينة، تنتشر القصص والأساطير المختلفة التى تربط بين الأحداث والناس والأماكن.

والحقيقة أن أول انطباع يتبادر إلى الذهن عند زيارة المدينة التى تقع فى شمال ولاية ماديا براديش أن جواليور هى قلعة راجا مان سينج وقلعة راجا مان سينج هى جواليور، ولذلك بالطبع ما يبرره، فأسوار هذا اللحن المعمارى العظيم تبدو للناظر من أى صوب فى المدينة، غير أن جاليور تحوى العديد من المناطق الأثرية الأخرى.

والطريق من هنا يؤدى إلى مكان يدعى حظيرة. حيث الشوارع ضيقة غير مصفوفة. ومنها يمكن الوصول إلى مكان أكثر هدوءا وانعزالا حيث ترتفع مقبرة محمد غوص، الولى المسلم الذى عاش فى القرن السادس عشر، وأول ما يجذب الانتباه فى هذه التحفة المعمارية هو الشعريات الصخرية التى زودت بها النوافذ الكبيرة فى كل مكان والتى تتخذ أشكالا مختلفة أكثرها انتشارا فى العمل بأكمله شكل النجمة، ويثير تأمل هذا العمل فى النفس شعورا غريبا يتأرجح بين الرهبة والإعجاب. فكل هذه الألواح الضخمة من الصخور قد شغلت بعناية وحرفية وصفت فى أماكنها لتعطى هذا الانطباع الساحر. وعلى الجدران، يتجلى فى كل مكان الأدعية التى خطها مئات الزائرين، سواء من المسلمين أو الهندوس : "اللهم امنح أبى الصحة والعافية"، "اللهم اكتب لأخى العودة سالما".. وغيرها.

وفى الجوار، تقع مقبرة الموسيقى تانسن، ذى الصيت العالمى والذى خلق من الموسيقى اسطورة وتاريخاً، وتظلل المكان شجرة تمر هندى طالما وصفت فى المراجع التاريخية ويقال إن أوراقها تضفى على صوت من يأكلها حلاوة مميزة. ويقال أيضا إن هذه الشجرة زرعت حديثا وأن الشجرة الأصلية قد اجتثت من جذورها، أما كيف ومتى حدث ذلك؟، فتختلف حوله الروايات، شأن كل شئ فى هذه المدينة، شأن حتى تانسن ذاته، الذى يتفق الجميع على أنه ولد أبكم وعاد له صوته فى شبابه، وفيما عدا ذلك تختلف حول حياته القصص والحكايات. والمقبرة ذاتها صغيرة، بسيطة متواضعة ولكنها تجتذب الموسيقيين من كافة أرجاء العالم، حيث ينظم فى هذا المكان من كل عام مهرجان موسيقى عالمى، يتبدى خلاله تراث جواليور الثى من الموسيقى الكلاسيكية.

ومن وسط هذه المدينة الساحرة، يتجه طريق إلى قصر جيفيلاس، الذى تم تحويل خمسة وثلاثين غرفة منه إلى "متحف جيفاجى راو سينديا". وهو بحق كنز ملكى دفين يثير صور الملوك والمهراجات الهنود بما يحويه من ثريات رائعة مرايا ضخمة. وفى المتحف أيضاً منمنمات ولوحات يبلغ عمرها مائتى عام.

أما "الدرة بين قلاع الهند" وهى قلعة جواليور، كما وصفها بابور أول امبراطور مغولى فى الهند، فقد بناها مان سينج تومار فى القرن الخامس عشر. والقلعة لها بوابات متعددة ولكن تلك التى يمكن الصعود إليها من ناحية الشمال الشرقى هى التى يمكن رؤية مدينة جواليور من فوقها فى أبهى صورها. والطريق من الناحية الغربية يؤدى إلى بوابة يوراهى بعد المرور بالعديد من التماثيل الصخرية الضخمة التى تصطف على جانبى الطريق. وفى البداية، يتوقف الطريق عند جوجارى محل الذى بناه مان سينج خصيصا لملكته المفضلة جوجار مريجانايانى، وهذا القصر الرائع متعدد الأفنية والذى يتسم بحجراته الواسعة البهيجة قد تحول الآن إلى متحف أثرى، ولكن الشئ الذى يدعو للدهشة أنه بنى فى طرف القلعة، بعيدا عن استحكامات الأمن والدفاع. أما لماذا بنى فى هذا المكان فلأن الملكة جوجار كانت تفضل البقاء بعيداً عن الملكات الأخريات.

ويتخطى البوابات المختلفة مثل جانش ولاكسمان وباوال وهندولا، يمكن الوصول إلى مان ماندير، وهو الاسم الذى شاع إطلاقه على القلعة الرئيسية، والحقيقة أن بلاطات واجهة مان ماندير ذات اللون الأزرق المائل إلى الخضرة هى ما يميز قلعة جواليور عن سواها. وبعبور الطرق الواسعة المفتوحة التى تثريها الأشجار يصل الطريق إلى سوراج كوند، حيث تعزو الأساطير ظهور اسم جواليور فتذهب القصة إلى أنه فى القرن الثامن، ضل زعيم الجماعة سوراج سن الطريق فى الأدغال، وغلبه العطش ولكنه واصل السير حتى وصل إلى صومعة الناسك جواليبا، وعندما روى الناسك عطشه، شفى سوراج سن من مرض كان يلازم، واعترافا بالجميل، أقام مدينة أطلق عليها اسم الناسك، أصبحت فيما بعد جواليار. ومن المفترض وفقاً للرواية أن سوارج كوند هو اسم المكان الذى التقى فيه بطلا الاسطورة.

والصخور التى تعلو القلعة تبدو كما لو كانت أكثر من صخور. فمن يتأملها يستشعر فيها حياة نابضة وجمالا تدركه الأفئدة قبل الأبصار.