جوجـرات..رحلـة إلـى قلـب التاريـخ لأن اجتياز مناطق الهمالايا الشاسعة كان أمرا تكتنفه الصعوبات والمخاطر، ظلت الصلات التجارية بين شبه الجزيرة الهندية و"آسيا الصغرى"، ولا تزال تتم بصورة أساسية من خلال البحر العربى. وقد ظلت جوجرات بموقعها المتميز نقطة اتصال رئيسية للتجارة على مر العصور ولعله ليس أدل على ذلك من أن جوجرات كانت متواجدة منذ بدايات ما يطلق عليها الآن "الحضارة الهندية الأولى"، ولعل أطلال ميناء لوثال الواقع على خليج كامباث (أو كامباى) والتى يرجع تاريخها إلى أربعة آلاف وخمسمائة عام سالفة تقف كشاهد على عراقة جوجرات. وقد كان هذا الميناء يرتبط بصلات من الحضارات السومرية والبابلية والمصرية. وكان استيعاب هذه التجربة التاريخية الهائلة يعنى أن يتطلع الجوجرايتون، كمجتمع دائما إلى ما وراء شطان الأرض التى يقطنوها. ولم يعمل ذلك على اكسابهم نظرة عالمية فقط ولكن أيضا على جعل دعائمهم الثقافية أكثر قوة. وهكذا طورت جوجرات ثقافة حديثة بقدر ما تنم عن ثقة أبنائها، راسخة داخلياً بقدر ما هى فعالة خارجيا. وربما لا يتجلى ذلك واضحا فى أى مكان أكثر من على امتداد شاطئ جوجرات اليوم. ولذلك فإن الرحلة الى قلب جوجرات هى رحلة الى أرض التاريخ والبشر والتجارة.

وقد تكون أنسب نقطة لبدء مثل هذه الرحلة هى دواركا، مملكة لورد كريشنا. وقد أكدت الاكتشافات الأثرية الأخيرة، على نحو حاسم وبما يتفق مع ما جاء بالأساطير، أن دواركا هى المستوطنة السادسة، الحاملة لنفس الاسم والواقعة فى نفس المنطقة، التى ابتلع البحر سابقتها. يتجلى ارتباط المكان التاريخى بلورد كريشنا فى معبد دواركادهيش، الذى يعد أكثر المعابد الهندوسية روعة فى الولاية بأكملها، ويقال أن حرمة المقدس يبلغ من العمر ألفى وخمسمائة عام. ويدعم المبنى المواجه له والذى يتسم بثراء أعمال النحت، ستون عمودا ويبلغ ارتفاع المعبد خمسة طوابق وتعلو قمته المستدقة مخروطية الشكل المزخرفة بنقوش بالغة الروعة بارتفاع مائة وسبعة وخمسين قدما.
ومن الطبيعى أن يكون مكان بهذا المغزى الدينى مثل دواركا ثريا بالعديد من المعابد، الكبيرة والصغيرة ففى دواركا يوجد أيضا معبد ركمينى زوجة لورد كريشنا. كما توجد منطقة بهيتدواركا، حيث يسود الاعتقاد بأن كريشنا قد قتل فيها شانخاسورا وأقام فيها فيما بعد.
وما ينطبق على دواركا ينطبق بالمصادفة على المحطة التالية على امتداد شاطئ جوجرات. غير أن المغزى هذه المرة يربط الماضى بالحاضر، حيث يجمع بين كريشنا والرجل الذى شكل أكثر من أى زعيم آخر،
المهاتما غاندى.ففى منتصف الطريق تقريبا بين سومناث وفيرفال، تقع بورباندارا التى يغوص تاريخها فى أعماق العراقة بما يؤكده ذكرها المتكرر فى أساطير البورانا بوصفها وطنا لسوداما، صديق طفولة كريشنا والذى عرف فى النصوص الهندوسية القديمة باسم سودامابور. وقد أكد علماء الآثار أن المدينة كانت ترتبط بعلاقات تجارية مع منطقة شرق افريقيا الساحلية ولهذا السبب ينتشر فى المنطقة تعداد كبير من ذوى الأصول الأفريقية. وقد تطورت بورباندار خلال الأعوام الأخيرة لتصبح مركزا صناعيا رئيسيا، غير أن حرفة الصيد ظلت تمثل عصب المدينة الاقتصادى والاجتماعى الثقافى.

وفى بورباندارا تقع كيرتى ماندير، محل ميلاد المهاتما غاندى والتى يبلغ عمرها تقريبا مائتى عام. وقد تم تحويل المكان، الذى بناه جد المهاتما غاندى الى متحف يضم مكتبة ومعرض صور يجسد حياة المهاتما وقاعة لأداء الصلوات ومعرضا لمتعلقاته الشخصية. وهناك بالطبع عدد من المعابد الصغيرة التى تتميز بعمارتها الرائعة، غير أن المتعة الحقيقية فى بورباندرا لا تقتصر على آثارها ذات التاريخ العريق ولكنها تتجسد أيضاً فى مناخ المدينة الساحر وشواطئها الرائعة وواجهتها المائية وحارات المدينة القديمة وأزقتها.
وبخلاف الأماكن والمدن ذات المغزى الدينى، هناك منطقة تشورواد، أجمل المناطق المطلة على البحر. وكانت تشورواد، التى بناها عام 1928 نواب جناجاده عندئذ، قصرا صيفيا ذا تصميم فريد. والحق أن أجمل ما فى هذه القرية هدوءها وخلوها من البازارات التجارية وعدم سماع صوت الحضر فيها، ولكن صوت الطبيعة الذى يسود المكان.
وبالتحرك قليلا نحو الشرق تتلألأ درة أخرى على شاطئ جوجرات وهى مدينة فيرافال التى تعد ميناء رئيسيا لصيد الأسماك كما أنها قاعدة صناعية حيوية. وأهم معالم المدينة هو معبد سومناث الذى أعيد بناؤه أكثر من مرة، ولعله ما من بناء فى شبه القارة الهندية كاملة ارتبط بعدد من الأساطير مثل هذا المعبد. وفى مدينة سومناث القديمة هناك الكثير من المعالم التاريخية ففيها البوابة الثلاثية "جيناجاد هى دار وازا" التى دخل محمد القازنى من خلالها إلى الولاية.
لقد شهدت جوجرات على امتداد فترة زمنية طويلة تعاقب سلالات مختلفة، سواء من المستوطنين أو الغزاة وانصهرت ثقافاتهم فى بوتقة الثقافة الجوجراتية مسفرة عن اندماج هائل لتقاليد العالم القديم والعالم الجديد. ولعل مدينة أحمد اباد تعكس هذا الواقع كما لا تفعل مدينة أخرى. تقع المدينة التى تعد المحور الرئيسى للولاية، على ضفاف نهر سابارماتى. وقد أطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى الحاكم المسلم السلطان أحمد شاه. كما يطلق أيضا على المدينة، التى تعد ثانى أكبر المدن فى غرب الهند، "مانشيستر الشرق" نظرا لازدهار صناعة النسيج فيها.
ولا تزال المدينة العريقة بجدرانها المميزة وقصورها ذات النقوش الخشبية الثرية، مركزا للنشاط التجارى. فالمدينة تبدو كما لو كانت تحتضن عالمين مختلفين تربط بينهما روح واحدة، إذ تنتشر فى الجزء الأحدث منها عمارة ذات تصميمات أكثر معاصرة. والحق أن العديدين من أشهر مهندسى العمارة فى العالم قد أثروا أحمد أباد بتصميماتهم التى أسهمت فى إسباغ صورة معاصرة على المدينة يضاف الى ذلك أن هذا الجزء من المدينة يضم عددا من أشهر المعاهد التعليمية فى الهند مثل المعهد القومى للتصميم والمعهد الهندى للإدارة وجمعية أحمد أباد لأبحاث النسيج الصناعية.
أما العالم القديم، فتزخر المدينة بآثاره فهناك مسجد جوما الذى يعد أحد أجمل المساجد فى غرب الهند يعود تاريخ المسجد الذى بناه سيدى سيد، وكان عبدا لدى سلطان أحمد شاه، إلى عام 1923. يتميز المسجد ببنائه المهيب الذى يرتفع فوقه خمس عشرة قبة ويدعمه مائتى وستون عمودا ويوجد بالمسجد بعض أروع أمثلة أعمال التعشيق والزركشة بالتخريم والتثقيب.
وفى مسجد سيدى سيد الذى بنى تكريما للعبد الذى بنى مسجد جوما، توجد صور لأروع أعمال الشعريات على الصخر. أما مسجد بشير، فآياته هاتان المأذنتان اللتان صممتا بحيث تهتز احداهما اذا ما رجت الأخرى برغم المسافة البعيدة بينهما.
على امتداد خمسة وأربعين فدانا يرتفع أثر آخر من آثار المدينة وهو قلعة بهادرا أو المدينة المحصنة. وقد بدأ البناء بها عام 1411 وتضم بداخلها معبد بهادراكالى الذى بناه أبناء مهاراشترا عندما وضعوا أيديهم على المدينة وبداخل القلعة الشاسعة يصطف على شوارعها عدد كبير من قصور جوجرات التقليدية بما تتميز به من أعمال زخرفة ونحت على الخشب. وهناك أيضا بوابة تران ذات الأقواس الثلاثة التى بنيت فى الأصل حتى يدخل منها الشخصيات الملكية فقط. وهى الآن واحدة من المداخل العديدة الى قلعة بهادرا.
ومن آثار المدينة المميزة أيضا هناك معبد هاثيسينج اليانى والذى بنى من الرخام الخالص المزخرف بأعمال النحت المعقدة بالغة الدقة. أما تأثير العمارة الهندوسية فيتجلى قويا
رانى رابماتى، الذى تخليدا لذكرى زوجة محمد بغادة الهندوسية.
ومن المناطق التى يحرص زائرو أحمد أباد على زيارتها بحيرة كانكاريا الصناعية التى بنيت فى عهد السلطان قطب الدين منذ خمسمائة عام تقريبا. ولعل ما يزيد من جمال البحيرة تلك الحدائق الرائعة المحيطة بها.
وحفاظا على تاريخ جوجرات الثرى، أقيم متحفان كبيران أحدهما هو متحف فنون القبائل الذى يصور تاريخ القبائل الجوجراتية العديدة وأسلوب حياتها وثقافتها. والآخر هو متحف شرياس للفنون الشعبية ويضم مجموعات كبيرة من الفنون الشعبية التقليدية والمشغولات اليدوية والأزياء والحلى، اضافة إلى نماذج من الأدوات المنزلية التى تستخدمها المجتمعات المختلفة فى الولاية.