جارهوال.. الطريق إلى الفردوس

يختلف ما تعنيه جبال جارهوال باختلاف البشر، فهواة المغامرة يجدون فيها تحدياً يلهب نفوسهم التى لا تقبل الهزيمة، والفنان يرى فيها مصدر إلهام لقصيدة نابضة أو أغنية صادقة، ولكنها بالنسبة للعديد من الهنود موطن الإلهة ومنبع الأنهار المقدسة.

ترتكز الحياة فى جارهوال حول نهرى بهاجيراتى والاكناندا. ينبع بها جيراتى الاسطورى من منطقة جومك الثلجية، فى حين ينبع الاكناندا من منطقة ساتوبانث الثلجية التى تنحدر عبر الجبال بين صفوف الأشجار.

وأقصر طريق إلى جومك هو الذهاب عبر ريشيكش.. المدخل الى مراكز الحج العظيمة بجارهوال، حيث يصطف على ضفتى نهر الجانج المعابد والمعتزلات الدينية التى تدرس تعاليم اليوجا والفلسفة الهندوسية كما تعبر عنها التماثيل القديمة. على بعد ما يقرب من 70 كيلو مترا تقريبا من ريشيكش تقع ديو برياج المقدسة، حيث التقاء نهرى بهاجيراتى والاكناندا. وإذا ما اتخذت طريقك شمال بهاجيراتى، ستمر بالعديد من القرى التى يغلب عليها طابع جبال الهمالايا، باستثناء ما لا يربو عن عشرة أو خمسة عشر منزلا تتميز وسط القرية، ويحيط معظم هذه القرى بساتين التفاح أو حقوق الأرز والقمح والشعير، التى تعد مورد الرزق لأهالى جارهوال منذ مئات الأعوام.

أعلى النهر، تقع أتاكاشى، المدينة التى تعتمر بالحجاج والرحالة وهواة تسلق الجبال المغامرين والسائحين المتجولين وحتى الشباب الحائر، الذى ينشد، فى بحثه عن الحقيقة، السكينة فى الصوفية الشرقية. ولكن ما أن تغرب الشمس حتى يعود جميعهم إلى الفندق ليتناولوا وجبة طازجة من الأرز والبطاطس. على الضفة الأخرى من النهر، يوجد معهد نهرو لتسلق الجبال، ينظم المعهد الذى يضم بعضا من أكثر متسلقى الجبال حنكة وقدرة فى الهند، دورات تدريبية للمبتدئين والمتقدمين.

يستمر الطريق شمال وادى البهاجيراتى حتى حبانجنانى، المعروفة بآثار الكبريت الساخنة والمناظر الطبيعية الشجية والمنعطفات. وإذا سرت قليلا إلى الأمام ينحر النهر شرقا صوب هارسيل، التى اتخذ منها جورج ويلسون فى يوما ما وطنا له، وويلسون الانجليزى الجنسية هو أول من أدخل زراعة اشجار التفاح والمشمش فى المنطقة وعلى امتداد الطريق حتى الوصول لجانجوترى، لن تفارق أذنيك أصداء خرير مياه الأنهار.

 

 

فى جانجوترى، يمكن رؤية المعبد الحجرى الصغير، الذى بنى لآلهة نهر الجانج منذ أكثر من 250 عاما. وتقول الأساطير أن الملك بهاجيرات كان يعكف على التأمل فى هذا المكان، مما أسعد الآلهة وجعل مياه اجانج المقدسة تهبط من السماء إلى الأرض، وهكذا أطلق على النهر بهاجيراتى نسبة إلى الملك.

تعد جانجوترى، التى تقع على ارتفاع 3.48 متر، منبع النهر. أما جومك التى يستغرق الوصول اليها يومين من السير من جانجوترى، فهى المنطقة الجليدية التى ينبع منها النهر. يستطيع الحجاج والجوالة الذين يمرون بهذا الطريق أن يروا أشجار خشب الصنوبر والتبوك، وعند بهو جباسا، يستوى الطريق، حيث تستطيع أن تتوقف لقضاء الليلة قبل أن تواصل رحلتك فى الصباح الى جومك، التى تعلو عن سطح البحر بمقدار 3.892 متراً. وجومك مكان يثير فى نفسك مشاعر الرهبة، فالنهر يتدفق فى غضب جارف حاملا قطعا كبيرة من الجليد، بينما يندفع فى رحلته. وهنا ستجد العديد من الحجاج ورجال الدين الذين جاءوا للتأمل، يمارسون طقوسا قديمة ليطهروا أرواحهم من كافة الخطايا.

هناك اعتقاد قديم بأن مياه نهر الجانج لديها القدرة على منح الحياة، مما يحدو بالهندوس لحمل بعض من هذه المياه الى ديارهم للمرضى ومن هم على فراش الموت. وهنا أيضا يمكن الاستمتاع بالمنظر الرائع للقمم الجبلية التى يغطيها الجليد.

بدءا من جانجوترى، هنالك العديد من الفرص للترحال من ارتفاعات شاهقة، يمكنك أن تبدأ رحلتك من جانجوترى الى وادى الاكناندا عن طريق كيدارناث أو عبر ممر كالنيدى الشاهق الذى يقع على ارتفاع 5.969 مترا. غلا أن الأمر سيكون أكثر عملية إذا اتبعت الطريق البرى الذى يحازى نهر بادرنياث، وقد مررنا خلال رحلتنا التى استغرقت يومين بالسيارة، بمناطق التقاء الأنهار المقدسة الأربعة، توقفنا فى جوشيمات ثم تحركنا الى بادرنياث فى اليوم التالى. فى الطريق الضيق بين جوميناث وبادرنياث، تقع جوفيند جات، التى تؤدى الى وادى الزهور ومزار السيخ المقدس "هيمكاند"، الذى يقع على ارتفاع 4.329 مترا.

ولكن اقتفاء الاكناندا حتى منابعه يعنى الذهب الى ما وراء بادرنياث، وهى رحلة غير ذات جوى حيث يحظر الذهاب الى ما وراء بادرنياث، وهى رحلة غير ذات جدوى حيث يحظر الذهاب الى تلك المنطقة، مما يحتم عليك أن تقنع بالسماع عنها. يحيط قرية مانا، التى تعد آخر قرية هندية قبل الحدود مع التبت، العديد من المناطق المقدسة التى تطل على النهر ومن هذه المنطقة ينبع نهر ساراسواتى الاسطورى، الذى يتصل بنهرى اليامونا والجانج فى براياج، أسفل حيث السهول. وهنا أيضا يعتقد أنمهاريش فياسا كتب المهابهاراتا، أعظم الملاحة التى عرفها الزمان منذ آلاف الأعوام.

وإذا ما اتجهت لأعلى صوب المنطقة الجبلية التى ينبع منها النهر، توجد بحيرة ساتوبانث حيث يقال أن الثالوث المقدس براهما وفيشنو وشيفا كانوا يعكفون على التأمل تحت قمة سوارجاروهينى.. الطريق الى الفردوس، الذى يفصل بين المنطقتين الجبليتين حيث ينبع نهر اجانج.