حيث يختلف العالم من فوق قمم الجبال من فوق قمم الجبال يبدو كل شئ مختلفا.. فالوديان تصطبغ بألوان أكثر رونقا وصفاء، والأنهار تنساب فى سرعة.. ودلال.. والحقول المدرجة تعطى لجمال الطبيعة معنى آخر.. إن التجوال بين قمم الجبال فى جانجتوك، عاصمة ولاية سيكيم لتجربة فريدة ونادرة لا توفرها مناطق عديدة فى الهند، بل وفى العالم أجمع.

وسيكيم هى إحدى ولايات الهند الواقعة فى الشمال الشرقى والتى تتميز بين ولايات الهند بجمالها الفطرى وطبيعتها الخلابة وبساتينها النضرة وجبالها الشاهقة، وإلى جانب ذلك، بمواطنيها بالغى الرقة والدفء.
والوصول إلى جانجتوك هو نصف المغامرة. فالوصول إلى هناك غالبا ما يكون من بومباى إلى دلهى، ومنها إلى باجدوجدا ثم إلى جانجتوك. والطريق من باجدوجدا الواقعة فى البنغال الغربية إلى جانجتوك هو ما يعطى حقا الشعور بالمتعة والمغامرة حيث يلتوى ويتمايل بين السهول ومزارع الأرز حتى يرتفع إلى قمم الجبال. ولعل أكثر ما فى الأمر إثارة تلك الجماعات من القرود التى تصطف على ثنيات الطريق متأهبة ومتحفزة، كما لو كانت تعلم أن السيارات لابد وأن تبطئ من سرعتها فى تلك المنحنيات. وبذلك يمكنها، بقليل من الحظ الحصول على بعض الموز أو البسكويت.
ظلت سيكيم دائما فى مفترق الطرق جغرافياً وتاريخيا لتنازع سكان الهمالايا والديانات القادمة منها، وفيما بعد البريطانيين، على التأثير على قاطنى السهول. وسيكيم فى الأصل هى وطن شعب إحدى جزر المحيط الهادى فالقرن الثالث عشر. وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أصبحت ملاذا لمواطنى التبت الفارين من الصراعات الدينية التى تفجرت بين العديد من الطوائف البوذية. وشهد أوائل القرن الثامن عشر فقدان مساحات كبيرة من الأراضى خلال سلسلة من الحروب ضد بوتان. وفى عام 1980 غزت بعض قبائل نيبال سيكيم واستحوذت على مساحات كبيرة من الأراضى، غير أنها أعادتها إلى البريطانيين بمقتضى اتفاقية تم توقيعها بين الجانبين، أنهت الحروب الانجليزية النيبالية. وقد أعاد البريطانيون الكثير من هذه الأراضى المكتسبة حديثا إلى راجا (حاكم) سيكيم فى مقابل منحهم السيطرة السياسية على أية نزاعات محتملة بين الولاية وجيرانها. غير أنهم استمروا فى التدخل فى شئون المملكة الصغيرة. وفى عام 1861، أعلنوا وقوعها تحت وصايتهم واستمر الغزو، والغزو المضاد حتى عام 1892 حين فر الراجا إلى التبت ولن تم إقناعه فى نهاية الأمر بالعودة مرة أخرى، وفى عام 1889، تم تعيين كلود وايت كأول مسئول سياسى بريطانى فى سيكيم وقد بنى الرجل لنفسه منزلا غاية فى الروعة فوق قمم الجبال، أعلى من قصر الحاكم نفسه. وقد تحول ذلك النزل الآن إلى مزار سياحى، فقد ظلت سيكيم حتى عام 1975 مملكة مستقلة يحكمها التشوجيال وتغطى القصر الملكى أعداد هائلة من الأشجار، تاركاً فى النفس انطباعاً بأنه درة أراد أصحابها أن يخبئوها عن العيون.
أما جانجتوك عاصمة سيكيم والتى تعنى "قمة التل" فتمتد على مساحة 5.500 قدم فوق أعالى التلال وتزخر بآيات من الجمال، ولأن سكان الولاية يدركون ذلك تمام الإدراك، فهم كما يبدو يحافظون على ولايتهم من كل ما قد يشوه جمالها، فالبيوت هناك مشرقة بألوانها وزخارفها المتناسقة والأبنية تكاد تكون جميعها على نسق واحد.

وفى جانجتوك، ينطق كل شئ بالنشاط والمرح، اللذين يعكسان طبيعة أهلها. وهناك يمكن للمرء أن يقابل أناسا من نيبال والتبت وبوتان والبنغال وتاميل نادو وغيرها.. والناس هناك يتعاملون بدفء وود يميزهم عن دونهم.
وهناك العديد مما يمكن زيارته فى جانجتوك بخلاف الأماكن الطبيعية لعل أهمها معهد نامجيالك للفكر التبتى، والذى يقع فى مبنى رائع مبنى على الطراز التبتى التقليدى. ويضم بني جدرانه مجموعة ثرية من اللوحات البوذية والتماثيل والمخطوطات. وهناك أيضا مركز الصناعات الصغيرة الذى يقع فى أعلى التلال وتدب فى ورشته الفنية الحركة والنشاط، حيث يتعلم الطلاب الفنون التقليدية من نسج ورسم ونحت الخشب وصناعة السجاد. وهناك أيضا العديد من الأماكن التى تعبر عن الحياة العصرية والتى يثريها وجودها بين أحضان الطبيعة الخلابة.