وادى الجانج.. مهد الحضارة

يفرض اكتشاف الشواطئ التى قامت عليها حضارة وادى الجانج على عالم الآثار تحديا عظيما. إذ يد نفسه فى مواجهة العديد من الأسئلة، كيف بدأت تلك الحضارة؟ وكيف يتسنى لواد فسيح من الطمى أن يحقق درجة من النضج تماثل تلك التى حققتها حضارات العالم المعاصرة كاليونانية والفارسية والصينية؟

عالم الآثار الانجليزى موريتمر ويلر وضع خلال أيامه الأخيرة فى الهند عام 1949 تصورة لاكتشاف التاريخ الإنسانى لوادى الجانج وبدأ من ثم التخطيط لحملة أثرية اقترح أن تبدأ من الله أباد حيث يوفر جبل جوسى العظيم، عند نقطة التقاء النهرين، بداية مشجعة وتستمر صاعدا نحو سفوح الهمالايا. ولعل جبل جوسى العظيم بتضاريسه المثيرة التى تشكلت بفضل فيضان الجانج المتكرر وتأثير الرياح وما أحدثتها من نتوء وتكرار قدوم الباحثين عن الثروات والكنوز وما خلفوه من تجويفات، يمثل بداية مثيرة تلتقى عندها أحلام الباحثين.

يطلق قاطنو المكان على الجبل اندهار ناجرى أو مدينة الظلام. ووراء هذه التسمية يكمن العديد من الأساطير. وتلكا لأساطير بدءا من حكايات اندهر ناجرى المحلية حتى ملحمة الرمايانا هى ما أثرت روح الجانج. الأمر المثير أن أسماء الأماكن والمعالم التى ذكرت فى الفيدا والملاحم والأدب اليمانى والبوذى لازالت على ما هى عليه.

ولكن أين بدأ كل ذلك؟ وكيف يمكن لواد فسيح من الطمى يمتلأ بالغابات الكثيفة ويسكنه أناس من أنصاف البدو يعيشون فى أكواخ من الأغصان أن يتحول ليصبح ارض النصوص الأدبية والابتكار، أرض الجيوش المستعدة والمدن الحضرية، أرض الحوار الدينى والتجريد الفلسفى؟ فبقدوم القرن السادس الميلادى كانت حضارة وادى الجانج قد حققت درجة من النضج لا تقل عن تلك التى حققتها الحضارات المعاصرة لها.

وربما لذلك يفرض اكتشاف الشواطئ التى قامت عليها حضارة وادى الجانج تحديا عظيما على عالم الآثار، وهو ما يجعله يبحث فيما وراء التفسيرات التى تقدمها الآثار المادية، إذ يتطلب الأمر قدرا أكبر من تجديد لرؤية والدراية بالماضى. وإدراك ذلك يصبح فى حكم اليقين اذا ما تجول المرء فى منطقة بهيتا وصادف أنقاض الطوب المتناثرة التى خلفتها بعثة جون مارشال الاستكشافية منذ ما يقرب من تسعين عاما ماضية.

تضمنت التقارير التى قدمها مارشال رسماً تخطيطيا لمديالية من التراكوتا ذات نقوش بارزة تم اكتشافها أثناء أعمال التنقيب والحفر، نقش على الجزء البيضاوى منها مركبة يبدو راكبها الوحيد، وهو يكبح جماح جياده، كما لو كان ينظر لأسفل لشخص ما يعوق مدخله الى منطقة مسيجة. وقد فسرت هذه الكليشيهات على أنها جزء من قصة شاكونتالا الشهيرة، حيث عدل الملك دشيانت، الذى كان فى رحلة صيد، عند ذبح الغزالة المجروحة التى احتمت بصومعة كانفا.

وقد حدد هذا الخط المتوازى من البحث للمؤرخ الطريق الى تاريخ وادى الجانج، وهو طريق يكون أحيانا منحرفا ومنحدرا وأحيانا أخرى متوازناً ومترابطا.

تحدثنا مجموعة الكتابات السانسكريتية الأولى عن حركة الآريين التى قامت شرقا من شواطئ الساراسواتى فى البنجاب الى شواطئ الجانج وتشير أحد أعمال الفيدا الى أن عام 1200 ميلادى شهد نزوح أعداد كبيرة من الآريين الذين بدأوا يزيلون الغابات الكثيفة. وقد وجدت الهجرة الجماعية لهذه القبائل من عبدة النار مقاومة من سكان المكان الأصليين، الذين برغم ما أبدوا من مقاومة لفلول القادمين، انسلوا فى نهاية الأمر هاربين بقطعان ماشيتهم.

ومن الواضح أن الآريين الأوائل الذين استوطنوا وادى الجانج كانوا مقتصدين الى أقصى درجة حيث لم يخلفوا وراءهم أية آثار تحمل نقوشهم، سواء من اللوحات أو التعاويذ أو العملات أو الاختام، مما يحدد على وجه القصد هويتهم ماديا وثقافياً. غير أن البعثات الأثرية عثرت على بعض القطاع الفخارية التى يعود تاريخها الى تلك الفترة. وتوحى تلك القطع الأثرية بأن الآريين الأوائل عاشوا حياة شبه بدوية. مما يتوافق مع وصفهم المسجل فى الفيدا.

أما من قطنوا وادى الجانج من غير الآريين فيحتلون أيضا مكانة مهمة فى التاريخ الهندى للعصور القديمة، حيث كانوا أول مزارعين عرفهم وادى الجانج. واليهم يعود الفضل فى إحداث تحول اجتماعى اقتصادى بالانتقال من الصيد الى الزراعة. ويعزى علماء الأنثروبولجيا أصول تلك الجماعات الى الكهوف والمأوى الصخرية المتناثرة بين مناطق فيندهيان ذات النتوء الصخرية البارزة. فقد نزلت تلك القبائل من البال فى بداية الأمر الى المناطق الجنوبية الرقية من أوتار براديش ثم ما لبثت أن تعبر القرون فى السهل بأكمله. وتحمل الآثار التى خلفتها تلك الجماعات تلميحات قوية الى أن فكرة الوهية الأنثى والعبادة الروحية للأفعى والثور تجد أصولها فى ثقافات ما قبل الآريين التى وجدت فى وادى الجانج.

تمثل ملحمتا الرامايانا والمهابهاراتا، اللتان كتبتا بعد نصوص الفيدا، المتن التالى للنصوص الأدبية – التاريخية. فمن المفترض أن تكون الأحداث التى تضمنتاها قد وقعت فى الفترة من عام 1000 الى عام 800 قبل الميلاد، وهى الفترة التى لازالت مرادفة لثقافة الآريين الأوائل. وهناك من الآثار الموجودة حالياً فى بعض متاحف الهند والتى وجدت فى الأماكن التى جاء ذكرها فى الرامايانا، بطريقة أو بأخرى، تاريخية الملحمة وانتفاء صفة الاسطورية الخالصة عنها. ومن أجل تأكيد ذلك قامت الجهات المعنية بالآثار فى الهند بتنظيم حملات استكشافية للبحث عن الأسس الأثرية للملحمتين العظيمتين. ونجحت حملة هاستينابور التى بدأت تنفيذ مهمتها عام 1950 وانتهت عام 1952 فى اقتفاء آثار الفيضان العظيم الذى حدث عام 800 قبل الميلاد تقريبا. وقد جاء بالفعل فى المهابهاراتا ذكر جرف الجانج لها الغاء المسافة سيتنابور وهجرة الناجين من سلالة الأتراك شرقا ليستقروا فى كاوسانكى. ومن الأمور المثيرة التى أسفر عنها البحث أن الأماكن المرتبطة بالمهابهاراتا والتى ذكرت فيها على نحو متكرر تعود الى تاريخ أقدم من تاريخ الأماكن المرتبطة بالرامايانا، الأمر الذى جعل الباحثين يتبنون الاعتقاد بأن المهابهاراتا قد كتبت قبل الرامايانا.

أعقبت فترة الملاحم مرحلة "التمدن الثانية" وهو المصطلح الأثرى الذى أطلق على بدايات التاريخ الهندى من منظور اجتماعى – تكنولوجى. ومن هذا المنظور، يرى نمو المدن فى وادى الجانج كتكرار لعملية سابقة، حيث كان التسلسل كالتالى : انهيار مرحلة التمدن الأول (حضارة وادى الاندوس) فى بداية الألف عام الثانية قبل الميلاد، تبعها ألف عام من الحياة شبه البدوية التى أفسحت السبيل مرة أخرى أمام أحياء التمدن على ضفاف الجانج خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.

ولعل أهم ما يميز مرحلة التمدن الثانية نمو الممالك الكبيرة فى وادى الجانج.

وكانت السيطرة على هذه الكيانات السياسية تأتى من مدن قوية مثل كاوسامبى وشرافاستى واهيتشاترا وباتاليبوترا وفرنساى ويوجين.

وكانت هذه المراكز الحضرية مصدرا للثراء الفكرى، يحفز على التغيير ويوجد جماهير تستمع فى تفتح وتقبل لبوذا ومهافيرا وجوزالا وغيرهم ممن كانوا ينشرون المبادئ الأخلاقية الجديدة.

استمرت هذه المدن الوليدة وازدهرت وأثارت الصور الساحرة والغامضة فى الشعر والدراما السانسكريتية القديمة. فنقلت مسرحية سودراكا "الكارة الفخارية الصغيرة" صورة نابضة بالحياة لمدينة يوجين بأضواء شوارعها المتلألئة، وشكلت مدينة براتيستابور الذى يعتقد أنها كانت تقع بجوار نقطة التقاء نهرى الجانج والجامونا، مسرح أحداث مسرحية كاليداسا "فيكرا مور فاشى". واستخدمت حكايات جاتاكا التى تناولت صورا من حياة بوذا مدينة فرنساى كمكان للأحداث.

أما مدينة كاوسامبى، فترتبط بالعديد من أحدث الملاحم، حيث ذكر فيها أن نيكاكسو، سليل البندافيين، قد جاء للعيش فيها بعد أن جرف الفيضان مدينة هاستينابور وتصور لوحات التراكوتا التى وجدت فى المكان قصص الحب التى عشاها الملك أودايانا الذى حكم مدينة كاوسامبى خلال فترة وجود بوذا. واليوم تغوص المدينة تحت التربة بمقدار 6.5 كيلو متر مربع ويحيط بها بقايا رواب ناتئة من ثلاث جهات، بينما تشكل مياه الجامونا خندقا مائيا من الجهة الرابعة. وقد اكتشفت بعثات التنقيب التى أرسلتها جامعة الله أباد واستمر عملها لمدة سبعة عشر عاما متواصلة أن الآريين الأوائل عاشوا فى هذا المكان حتى القرن السادس الميلادى عندما دمر الغزاة الهون مدينة كاوسامبى.

من هذا المكان، تؤدى الحقول المزروعة الى نصب أشوك التذكارى وتشير اللوحة المرشدة اليه إلى أنه قد شيد فى النقطة التى تلتقى عندها طرق كاوسامبى الرئيسية، التى من المحتمل أن كانت أيضا جزءا من الطرق العامة القديمة التى تمر بالمدينة. ينبسط الطريق، على امتداد الأخاديد التى تكونت بفعل مياه الأمطار والتى يحيط بها أنقاض الأبنية القديمة، حتى يصل إلى سفح الجدران الطوبية التى شيدت فى القرن الثانى قبل الميلاد لتحصين مدينة كوسامبى من الغزوات اليونانية – الهندية. وتنتشر فى المكان بقايا دير بوذى واطلال قصر يطل على الجامونا.

فى تلك الأيام الأولى، كانت الوسائل النهرية هى وسائل الانتقال المفضلة. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تصبح صور المراكب والعبارات النهرية رموزا ميتافيزيقية قوية فى الكتابات التى تعود إلى تلك الفترة والتى اكتسبت فى معظم الأمر معان روحية. فكان بوذا يرى نفسه كربان سفينة يساعد البشرية على الوصول الى "شاطئ ما بعد الحياة". وبخلاف الحضارات القديمة الأخرى التى جعلت للأنهار آلهة تحكمها مثل حابى آله النيل فى الحضارة المصرية القديمة، جسدت الحضارة الهندية القديمة فى الجانج ذات المعبود.

إن تاريخ وادى الجانج الأثرى قد تعمق عبر الأعوام منذ أن بدأ إرسال بعثات التنقيب إلى الوادى فى منتصف القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين تكشف الكثير عن المدن القديمة والطرق التجارية والتراث الفنى وأسلوب الحياة والمعتقدات وغيرها. وبالطبع واجه القائمون على ذلك عناء كبيرا فى حالات عدة للتأكد من انتماء المكتشفات إلى حضارةوادى الجانج على وجه التحديد فهناك على سبيل المثال مجموعات كبيرة من الخرز الثرى من تنوعه وأشكاله ومواده، قد اكتشفت فى الوادى، غير أنها تنتمى لمراكز تصنيع الخرز القديمة التى تقع خارج وادى الجانج مثل خامات فى جوجرات واريكا ميدو فى جنوب الهند.

هناك أيضا مسألة المنظور حيث تركت فكرة وادى الجانج كمركز سياسى ثقافى أثرا كبيرا على المداخل التاريخية. فكانت المنطقة تمثل بالنسبة للغزاة القدامى منطقة حدودية. ومن خلال كاوسامبى تدفق الهنود – اليونانيون إلى المكان فى القرن الثانى الميلادى وأقام الكوشانيون الحدود الشرقية القصوى لامبراطوريتهم الآسيوية الشاسعة حول منطقة فارنساى الحديثة. وقد تم اكتشاف مدينة محصنة للكوشانيين فى منطقة هلاسكيرا بالقرب من لاكناو. فهل تعد هلاسكيرا مثالا للقلاع الحدودية التى كان الرومان يستخدمونها ببراعة فائقة لمنع دخول غير الرومانيين؟ أم أن الكوشانيين الذين كانت حدودهم الغربية تلامس الامبراطورية الرومانية قد استعاروا هذه النظرية العسكرية من الرومان؟

مما لا شك فيه أنه إذا كانت حضارة وادى الجانج قد تأثرت بالحضارات المجاورة، فهناك أيضا علاقة تأثير واضحة. ففى بداية التقويم الميلادى، انتشرت البرهمانية والبوذية وتعمقت فى آسيا الوسطى، لتختلط بالعمليات الثقافية القوية الأخرى التى تواجدت منذ غزو الأسكندر الأكبر وهذه التركيبة الفريدة يمكن رؤيتها فى فن تشاندرا المعروف فى وادى سوات، شمال غربى باكستان، حيث نقشت صور بوذا على غرار آلهة الرومان.

وفى القرون التالية، وقع جنوب شرق آسيا تحت التأثير الكامل لفكر وثقافة الجانج، وهو ما يعبر عنه وجود معبد كبير لفيشنوا بكموديا ومبنى لبرج بوذى فى أندونيسيا.

وبتأمل طبيعة الحياة البشرية التى تشكلت وتطورت على ضفاف الجانج يتبدى أن الغريزة الجماعية لهذه الحضارة النهرية انسحبت بقوة الى الداخل، مما جعل من المرونة الداخلية سمة فردية تشبع بها كل على حدة، إذا ليس هناك نظام دينى يجمع الآلاف ممن يحضرون من القرى النائية للاستحمام فى النهر فى المهرجانات الدينية، مدفوعين فى ذلك بقوة الإرادة الداخلية دون أى شئ آخر. والمراقب لهذه الألوف يخامره الشعور بأن تأثير الجانج عليها لم يختلف عن ذلك الذى تركه على الآريين الأوائل منذ ثلاثمائة عام سالفة.