سئل فنان معروف ذات مرة أن يصف دلهى، بصورة موضوعية ثم بصورة ذاتية، فأجاب بعد تفكير استغرق بعض الوقت "ان عاصمة الهند هى عاصمة أكبر ديمقراطية فى العالم" وهذا ليس خافيا على أحد. والحقيقة أن دلهى هى الهند فى صورة مصغرة. فدلهى هى مساحة الهند كاملة اختزلت الى 145 كيلو مترا مربعا. ونسيج دلهى قديم ولكن الخطوط التى رسمت بها تفاصيل صورتها حديثة معاصرة. وبرغم أن المدينة تبلغ من العمر قرونا وقرونا، فإن روحها النضرة المفعمة بالحيوية قد تقبلت فى سعادة وسحر الاتجاهات المتباينة.
واليوم بينما تعد دلهى بحق مدينة عالمية دائما فى حركة دائبة، فلا تزال تحتفظ بتراث عريق لا يضاهى. أما التجربة الشخصية فتكمن فى القدرة على التكيف مع المناظر المتناقضة والأحداث المختلفة التى يتجلى تباينها فى كل بضعة كيلومترات".

فمن الطبيعى إذن أن يقع البصر، بينما يتجول المرء فى دلهى على مبنى فندق متعدد الطوابق ملحق به مركز لرجال الأعمال على أعلى درجة من التقدم التكنولوجى. ويرتد البصر، فإذا على بعد ياردات قليلة مرصد جانتر مانتر الذى يعود تاريخه الى بدايات القرن الثامن عشر. وليس من الغريب أيضا فى دلهى أن يفرق طريق لا يستغرق المضى فيه ثلاثين دقيقة بين إحدى أقدم عجائب الدنيا، قطب مينار، وأحدثها معبد اللوتس.

وفى المناطق القديمة من دلهى، تسير فى الطرقات سيارات التويوتا الفاخرة والماروتى سوزوكى الهندية اليابانية الصنع والاتوبيسات المكيفة جنبا الى جنب العربات التى تجرها الخيل وعربات الجرنكشة وهى عربات صغيرة بدولابين يجرها فتيان مفتولو العضلات. وبينما تلقى الفنون الكلاسيكية الهندية من رقص وموسيقى تشجيعا كبيرا من قطاع لا يستهان به من سكان دلهى، يقضى قطاع آخر الامسيات فى العديد من الكازينوهات التى تعزف أحدث أغنيات مادونا ومايكل جاكسون والتون جون. وفى حين تنتشر مطاعم الوجبات السريعة، تقتصر المطاعم الاخرى على تقديم الأطباق الهندية التقليدية.
وعلى هذا المنوال يتواجد كل شئ فى دلهى. والمثير أن هذه التناقضات لا تقتصر على تراث القرون الحديثة، بل ان نفحات التاريخ جغرافيا ومعماريا وحضاريا وثقافيا والتى تعود فى بعض الاحيان إلى آلاف السنين تعم المكان.
والواقع أن نيودلهى التى بدأت تتشكل منذ عام 1911 فصاعدا تعد سابع دلهى تبنى على مر تاريخ المدينة. ويخبرنا التاريخ أن دلهى أنشأت للمرة الأولى منذ ما يزيد عن خمسمائة عام سابقة على أيدى البندافيين، أبطال الملحمة الهندية الخالدة، المهابهاراتا، أما سادس دلهى فلازالت اجزاء منها موجودة ويطلق عليها الآن دلهى القديمة، أما الخمس مدن السابقة، فترقد أطلالها مدفونة تحت دلهى الحالية أو تتناثر حولها، ولازالت القلعة القديمة تقف منتصبة فوق مكان دلهى الأولى أو ما كانت تعرف باسم اندرا براستا، مدينة البندافيين.
وفى هذه المدينة التى ترفض الموت والفناء والتى ولدت من جديد سبع مرات، يعيش عدد غفير من سكان الهند يربو تعداد عن 6500000 نسمة ويطلق عليهم أبناء دلهى، والأغلبية منهم ذات جذور تمتد إلى مناطق مختلفة من الهند وتنتمى الى ديانات وطوائف مختلفة، فقد أتوا من البنغال وكشمير ومهراشترا واوتار براديش والبنجاب وجارهوال وكيرالا وبيهار.. وغيرها من المدن والولايات الهندية المختلفة وبينما تعد أغلبية السكان فى دلهى من الهندوس، هناك أيضا البوذيون واليانيون والسيخ والمسلمون والمسيحيون والبارسيون وغيرها مما يجعل من دلهى بوتقة هائلة تنصهر فيها الثقافات وأساليب الحياة والاحتفالات والمهرجانات والأزياء واللغات، تركيبة فريدة تضفى على دلهى صفة وشخصية وتنوعاً قلما تتواجد فى مدينة أخرى فى العالم.

غير أن هذا المزج الهائل من الحضارات والبشر ليس فقط ما يميز دلهى، فالمدينة لها أمزجتها ولحظاتها وصفاتها الخاصة، فمناخ المدينة الخاص هو ما يجعل من دلهى ذاتها.
ولأن كل شئ فى دلهى مختلف، تبدو الطبيعة كما لو كانت خصت دلهى دون غيرها من المدن بسحر فريد، فعندما يوشك شهر يناير على الانتهاء، معلناً انقضاء أيام الشتاء غير المشمسة ومبشرا بقدوم ربيع مشرق، تبدأ الأشجار فى وهب الحياة لأوراقها، بينما تكون أشجار أخرى قد أظهرت بالفعل وريقات خضراء غضة تبدو كما لو كانت تتطلع إلى أن تحيا فى ربيع دلهى، ويبدأ اليمام والعصافير فى التجمع فوق الأشجار لتصيغ بأصواتها أجمل الربيع الباسم. ولا يمضى وقت طويل حتى تصبح دلهى جنة من الألوان وتبدو المدينة كما لو كانت حديقة غناء واسعة تزدهر بآلاف أشكال الازهار والورود، وتتجلى الطبيعة فى أجمل صورها والألوان فى أزهى درجاتها على وجه الخصوص فى المروج المحيطة ببوابة الهند والتى تشهد فى المساء وفى أيام العطلات تجمع الكبار والصغار على حد سواء، وتنتشر فى المكان عربات المثلجات وبائعو البلونات والذرة المشوى والفول السودانى والحلوى وعلى جانبى الطريق يصطف الرجال والنساء الذين يبيعون الياسمين المعطر والذى تضعه الفتيات والنساء على شعورهن لتزينه. وفى حدائق المغول المنمقة فى راشتراباتى بهاوان،حيث مكان إقامة رئيس الهند الرسمى، يجد محبو الطبيعة والجمال ضالتهم المنشودة، إذ تفترش المكان أبسطة من الورود كاملة الازدهار التى قد تعد اجمل المناظر الطبيعية فى الهند. وفى موسم الربيع، تشهد دلهى تنظيم معارض الزهور بصورة منتظمة ويكون الاقبال عليها عظيما من جانب أصحاب المشاتل والحدائق الخاصة.

وبينما يفسح الربيع الطريق لفصل الصيف، تنتقل الألوان من مساكب الزهور الى الاشجار المزهرة ليبدو الافق كما لو كان لوحة تفنن فى ابداعها أمهر الرسامين. وفى الحال، يحين موعد ظهور طائر الكويل الاسحم ليصدح بصوته العالى الواضح أحلى النغمات بينما يحتجب عن الرؤية بين فروع الاشجار. وتعلن نغمات هذا الطائر بداية موسم المانجو فى دلهى. فتمتلئ المحلات وعربات اليد بأجمل أنواع المانجو فى العالم وعندما يتقدم الصيف، تظهر رقعات من اللون الارجوانى الداكن حول بوابة الهند وبعض الطرق الاخرى فى دلهى، ويفترش الصبية الأرصفة تحت ظلال أشجار فاكهة الجامون وقد وضعوا أمامهم أكواما من ثمارها فى أكياس كبيرة من الجوت على الأرصفة وتقدم هذه المثار للناس الذين يتهافتون على شرائها على أوراق أشجار نضرة كبديل عن الأطباق، وتترك هذه الثمار آثار اللون الارجوانى على شفاه كل من يأكلها. ويرجع تهافت الناس على شراء هذه الفاكهة الى قصر عمرها الذى لا تجاوز الاسبوعين".

وبرغم أن دائرة الفصول تسبغ على دلهى أبعادا مختلفة، حيث يلونها كل فصل بسحره الخاص حتى تكاد المدينة تبدو وكأنها اربع مدن مختلفة على امتداد العام، هناك العديد من الثوابت التى لا تتغير بتغير الفصول، تراثها، آثارها، تاريخها العريق، وبرغم أن نهر اليامونا الذى يتدفق خلف دلهى قد غير مجراه، فلا يزال يرمز لروح دلهى الواسعة، وهو يثرى الماضى ويعكس الحاضر بكل تناقضاته ووفاقه ويتحرك نحو المستقبل، مستشرفا إياه بكل أحلامه وطموحاته. إن دلهى هى مدينة الأقدار عاصمة الهند التى خلقها التاريخ والتى تخلق هى اليوم التاريخ.