. عاصمة من العصور الوسطى

تلوح فى الأفق كما الهرم الطبيعى الشامخ فوق صحراء ديكان الصافية، تعطيها حصونها ومتارسها المحكمة سمة المواقع الحربية. أطلق عليها "ديفاجيرى" أو "ديوجيرى" أو "ديفاجاوا" التى تعنى جبل الله. كما أطلق عليها دولة أباد أو "مدينة الثراء". وقد كانت عاصمة الهند فى العصور الوسطى لما يقرب من عشرة أعوام. واليوم تبزغ فوق قرية متواضعة محتضنة إياها ما لو كانت غارقة فى تأمل أمجادها السالفة.. تستمد الحياة من ذكريات ازدهار وأفول فترات حكامها السابقين.
الصمت يسرى فى المكان وبالطبع لذلك أسباب. فعلى القمة على ارتفاع مائتى متر عن الطريق المؤدى إلى منطقة الورا، يوجد كهف مظلم هادئ، خال من أى زخرفة أو علامات.. انه ضريح القديس المحارب جاناردانا سوامى. وقد كان ذلك البراهمانى، منذ ما يربو على أربعمائة عام شديد الروحانية حتى أن يوم الخميس الذى كان يخصصه للعبادة والتأمل بصورة منتظمة أصبح أجازه عامة بأمر من الملك المسلم فى ذلك الحين. ولم تكن تلك هى الواقعة العلمانية الأولى فى تاريخ ديفاجيرى الثرى.

والآن بعد انقضاء تسعمائة عام على تأسيسها كعاصمة لمملكة اليادافيين عام 1187، تجتذب ديفاجيرى، وهو اسمها السانسيكريتى الأصلى، موجة جديدة ذات اهتمام روحانى، يتأصل لدى مريدى سوامى تشايد فيلا ساناندا الذى قام معلمه الروحى بابا موكتاناندا بنشر اليوجا الروحانية فى الهند والغرب فى السبعينات.
يعود تاريخ ديفاجيرى إلى ما قبل عام 1187، منذ كان يعتقد أنها مسقط رأس الشاعر والكاتب المسرحى الكبير كاليداسا، وقد كانت ديفاجيرى امبراطورية مهيبة شاسعة حتى أن أحد كتاب تلك الحقبة ذكر أن السفر عبر هذه المدينة يتطلب ما لا يقل عن أربعين يوما. فقد كانت تمتد من نهر نارمادا من الشمال إلى ميسور فى الجنوب ومن الساحل الغربى لبومباى وراتناجيرى إلى ناجبور عبر منطقة الديكان، وهى المنطقة التى بلغت خمسمائة ألف كيلو متر مربع، وفقاً لما ذكره أحد المؤرخين.. وما يقرب من سدس مساحة الهند.
وقد لعب امتدادها عبر مدخل شبه القارة دورا كبيرا فى منع الغزارة من دخولها من الجهة الشمالية، فدأبوا على النفاذ إليها من جهة الجنوب لأكثر من قرن، أى حتى عام 1294، وكان فى تلك الفترة أن قام علاء الدين خالجى المغامر التركى الانتهازى ذو الجذور الافغانية وابن أخ السلطان جلال الدين بهجوم مفاجئ جرئ.
وقد كان خصم علاء الدين اللدود، راما شاندرا ملك ديفاجيرى الذى يقال أن عائلته تنحدر من سلالة اليادو وبالتالى تضم كريشنا فى نسلها، ويتضح من أوصاف كتاب تلك الفترة لراما شاندرا أنه لم يكن رجلا سهل العشيرة.
وكما ثبت، أخذت خطوة علاء الدين الجريئة راما شاندرا على حين غرة. ولابد وأن كانت لحظة عصيبة بالنسبة لراما شاندرا لا سيما وأن ولده سنيغانا كان غائبا بعيدا فى الجنوب يشرف بالانضمام لجيش ديفاجيرى فى حربهم ضد أعداء اليادافيين التقليديين الهويساليين.

وبرغم جسارة السيدتين الارستقراطيتين اللتين حاربتا كالنمور على رأس مجموعتى قواتهما الصغيرتين واستبسلتا فى القتال حتى نجحتا فى بعض الأحيان فى وقف قوات علاء الدين المحدودة من دخول ديفاجيرى، استطاع علاء الدين الوصول إلى مقصده. وتقول سجلات التاريخ أن علاء الدين بهت لسلوك السيدتين حتى أنه علق على ذلك مخاطبا قائدى قواته بقوله "فى بلدة لا تتراجع فيها النساء أمامنا.. أتساءل ماذا سيفعل معنا الرجال فى ميدان المعركة!".
لم يمض وقت طول حتى انجلى له الأمر، فقد جمع راماشاندرا قوة صغيرة من الميليشيات واندفع فى مواجهة الغازى، غير أنه تراجع أمام المحاربين الأتراك الأكثر حنكة. وعند هذا الحد، تراجع راما شاندرا فى حصافة إلى ديفاجيرى، ذلك الحصن الذى أعتبر حينئذ أقوى حصون الهند، التى لم تكن قوة لتتخلله خلال العصور الوسطى.
لم ير راما شاندرا ضيراً من أن ينتظر فيما وراء الحصن، على الغازى المتهور ينفد صبره ويجلو عن المكان.
وعلى الفور، حاصر علاء الدين القلعة بعد أن قبض على تجار وبراهمانيى المدينة الواقعة أسفل حصون القلعة وهب بازارات ومتاجر المدينة، كما سلب أفيال وخيول الملك الثرى. وبدا أن راما شاندرا تقبل الأمر بنفس راضية حتى تلقى الصدمة بعد عدة أيام عندما علم أن حقائق الحبوب التى يعتمد عليها حماة المدينة كزاد لهم ولسكان المدينة ليست سوى حقائب من الملح!
أهى غلطة جسيمة أم خديعة؟ ضربة سديدة من جواسيس علاء الدين، ولم لا وقد ذاع عن الغزاة الأتراك حينئذ احتراف تلك اللعبة وتسيد فن نشر المعلومات المضللة التى ربما تكون قد تسربت إلى القلعة؟ سؤال ينقسم المؤرخون فى الإجابة عنه.
استمر الصمود لخمسة وعشرين يوما، شارفت ديفاجيرى بعدها على المجاعة. وانهار الأمل الأخير بعد أن ألحق علاء دين بجيش ولد راماشاندرا العائد من حربه هزيمة منكرة. حينئذ فقط سعى راماشاندرا لتسوية مبنية على التفاوض. وكان الثمن باهظا.. فدية أمير، وهو ما يوضح مدى ثراء امبراطورية راماشاندرا حينئذ، واختلف المؤرخون فى تحديد قيمة الفدية، إلا أنهم اجمعوا على كونها كما عاد يحمل فى ذاكرته صورة تشهيتاى ابنة راماشاندرا بعد أن لمحها فى نظرة خاطفة كانت كافية بالنسبة له ليوقن رغبته فى الزواج منها، وبالفعل تزوجها فيما بعد، ويقال أنها أنجبت له شهاب الدين عمر صالحى الذى ورث العرش بعد موت علاء الدين.
ونتيجة لكل ذلك، أثير الكثير من الجدل فى كتب التاريخ حول شخصية راماشاندرا، فيراه بعض المحللين كشخص يتسم بالجبن باع شعبه من أجل الحفاظ على حياته، ومن المؤكد أن هذه التسوية التى تفاوض عليها مع علاء الدين، فى نظر البعض قد مهدت الطريق أمام الغزو الذى تعرضت له الهند من جانب الأتراك والأفغان ومن بعدهم المغول. فهل كان عليه حقا أن يسمح بدخول كل هؤلاء إلى ديفاجيرى ليدرأ خطر المجاعة خلال الحصار؟ والحق أن راماشاندرا لم يكن بالرجل الجبان نظراً لما توافر من أدلة عديدة تثبت العكس. فقد أظهر من الشجاعة ما جعله يقود رجاله فى معركة حامية الوطيس للدفاع عن الأرض، ويوجه ضربة موفقة أخيراً حفظت له حقه فى العرش.
وقد كان راماشاندرا نصير القديس العظيم جناناديفا، الذى أكمل تفسير الـ "بها جافات جيتا" فى فترة حكمه، وعنه يقول ر.د. راند فى كتابه "الصوفية فى مهاراشترا" راماشاندرا، ذلك الملك العظيم الذى حكم بالعدل.. والذى كان مفخرة لليادافيين ونصيرا لكافة الفنون..".
وبعد كل هذا التاريخ الحافل، ليس من قبيل المصادفة أن تلقى تلك القلعة اهتماماً واسعاً وتجتذب العديدين، وليست بالغريب إذن أن حظرة أمير خسرو (1252-1325)، الشاعر الصوفى وأشهر كتاب عصره والذى كان الحوارى المحبوب لدى القديس الصوفى المشهور نظام الدين عليا، أسهب فى وصف ديفاجيرى بعد زيارة لها فى بداية القرن الرابع عشر. فكتب يقول "لقد صمم كل بازار بأسلوب مختلف، فترى البائعين جالسين يبيعون كافة أنواع الأقمشة، والفاكهة فى المتاجر مصفوفة فى تلال، يمكنك هناك أن تشترى كافة أنواع البضائع بأسعار بخسة" كما كتب خسرو عن الحرير الثرى الذى قال عنه "أنه ليس له مثيل فى العالم، فله من الرقة ما ليست لغيره ومن التأثير الرائع ما تتركه فى نفسك اشعة الشمس المتلألئة وظلال القمر الخافتة، وإذا ما حقت المقارنة فهو كقطرة ماء صافية تهبها السماء للأرض".
وقد كان لديفاجيرى نصيب من كتابات ابن بطوطة، ذلك الرحالة الذى عاش فى أوائل القرن الرابع عشر، فسجل انطباعاته عنها واعترف بإعجابه بالمرأة الديفاجيرية، حيث كتب يقول "لقد حباها الله بجمال نادر وسحر غامر، تجلى أكثر ما تجلى فى عينيها" كما سحرته بازارات المدينة، فكتب الكثير فى وصفها وقد صور ابن بطوطة فى كتاباته فتيات ديفاجيرى وهن يغنين ويرقصن، فأبدع التصوير وقيل أن أمير خسرو قد فتن هو الآخر بعذوبة الأغانى التى سمعها فى ديفاجيرى، حتى أنه عندما عاد إلى دلهى، لم يستغرق وقتاً فى ابتداع أساليب التعبير التى عرفت فيما بعد بأسلوب القوالى فى الغناء.
انها حقاً مدينة ثرية بالتاريخ، عامرة بالآثار المتلألئة، غنية بالشخصيات ذات البصمات الواضحة والمحاربين ذوى الانجازات الرائعة، نابضة بالذكريات الحية والأمجاد السالفة.