بينما تستقبل المدينة أشعة الشمس الأولى.. تثير صورة جدران القلعة المتداعية ذكريات المجد العسكرى. وتبعث الحصول المهيبة، التى تطوق المدينة أسفل القلعة، الماضى حيا. حتى بيوت عامة الناس الحجرية والأسمنتية تبدو وقد أكسبها تقادم العهد جمالاً. وفى الأفق ترتفع البوابات الشامخة، التى لم تنج من عبث الزمن، مؤدية إلى الشوارع الضيقة المرصوفة بالحصى. وشيئا فشيئا، تدب الحركة فى المبانى العتيقة وتمتزج صورة الحياة بروح الزمن. تختلط الأصوات بجلبة الأنوال التى لم تتوقف يوما فى تشاندرى طيلة خمسمائة عام سالفة.

لقد كانت تشاندرى التى تقع فى منطقة ذات تاريخ قديم ونشاط ثقافى، فيما مضى موقعا عسكريا هاما ومركزا حضريا رئيسيا. وتقول سجلات التاريخ أن حصون هذه المدينة تعود إلى الأعوام الأولى من القرن الرابع عشر ويؤرخ لها بالحاكم كريتبال، غير أنه من المرجح أن المدينة كانت قائمة بالفعل قبل ذلك بوقت طويل، ربما كخط دفاع ثانوى لمدينة تشاندرى البوذية القديمة، التى تبعد نحو تسعة كيلومترات. وقد ساهمت متاخمة تشاندى للطرق التجارية والعسكرية فى جعلها حصنا حيويا استراتيجيا، فكانت بمثابة جائزة لأية سلالة تمتلك السلطة وتتسم بالطموح. وقد دأب جنود الدوريات على إقامة مخيمات الايواء فى هذا المكان. كما اعتادت جيوش الغزاة على التجمع أو التقاط الأنفاس هناك قبل بدء أو استكمال المسيرة شرقا وغربا. وكما وقعت تشاندرى مرارا فى أيدى العديد من الملوك، كانت المحطة الأخيرة للراجبوتيين قبل المواجهة النهائية مع بابور. وظلت المدينة تحت سيطرة المغول باستثناء فترة قصيرة حين سيطر عليها شيره شاه سورى حتى أعلن حكم البانديلا، المنصبون من قبل الامبراطور جهانجير، الاستقلال بعد وفاة اورانجزب وقد أدى هذا التفسخ إلى تدخل حكام جولار وبالتالى حقبة من هيمنة مهراشترا.
تغيرت العصور، وهكذا الضرورات وراء أهمية تشاندرى العسكرية والسياسية، إذ شهدت تقزما فى ظل النظام الجديد حتى تجاهلها التاريخ الحديث، حيث أدى موقعها الجغرافى فضلا عن عدم توافر وسائل الاتصال الكافية إلى عزلتها وبالتالى الغياب النسبى للمؤثرات العصرية الحقيقية عليها، واليوم تبدو سمات العصور الوسطى جلية لاسيما فى الخصائص المعمارية للمدينة، وبالرغم من ذلك، لازالت المدينة تزخر بالعديد من الآثار التى تشهد على فترات مختلفة من تاريخ تشاندرى الحافل. وبينما يشير جمال زخارف بعض هذه المعالم الأثرية، على بساطتها، إلى تأثير الأفغان ويشهد على أسلوبهم فى العمارة، يحمل البعض الآخر والذى استخدم فيه الأشغال البلاستيكية البصمة الهندوسية ولاسيما الجوجراتية. وينضح التأثيران معاً بما كانت تشهده الامبراطورية من عظمة وازدهار، كما يظهران الميول والطباع الشخصية للحكام المحليين فضلا عن تنوع الأساليب فى إطار تقاليد البناء المتواصلة. وبعيداً عن الأهمية المعمارية والمغزى التاريخى والتأثير الجمالى، يضفى الاستخدام المستمر للعديد من هذه المبانى عليها معنى ويجعلها جزءا مرتبطا بالحياة فى هذه المدينة.

وفى حين يعد الطابع المعمارى لهذه المدينة بمثابة صلات وثيقة بالماضى، تبقى تقاليد الحرف التى لم تنحسر على المدينة حية، وتعد صناعة النسيج فى تشاندرى حرفة عائلية متوارثة لعل أهم ما يميزها أن عمل معظم أفراد العائلة فى هذه الحرفة وتوارثهم إياها أبا عن جد يبقى على الروابط الأسرية، بل على الروابط بين مجتمعات المدينة وقد ساهم عمل أكثر من نصف تعداد سكان تشاندرى فى هذه الحرفة فى حل مشكلة البطالة التى تواجه الجيل الصاعد فضلا عن إتاحة الفرصة لهم للتعبير عن حسهم الجمالى فى إطار البيئة التى يعيشون فيها، كما حال ارتفاع قيمة صناعة النسيج اقتصاديا دون مواجهتهم للضائقة الاقتصادية التى تضطر شباب المدن ذات القيمة التاريخية المماثلة ولكن غير الحية إلى الهجرة إلى أماكن أخرى ما لعب دورا كبيرا فى عدم التكدس فى المراكز الحضرية الأكبر والذى تتسبب فهي مثل هذه الهجرة. وهكذا كان النظام الاجتماعى الراسخ لتشاندرى بمثابة جسر أمان عبرت خلاله إلى الحاضر دون التعرض للمشكلات التى تتسبب فى انهيار النظام الاجتماعى الاقتصادى التقليدى.