ربما ما من مكان آخر فى العالم يترك فى النفس الشعور بالحيوية والنشاط مثل كلكتا. فما الذى يجعل هذه المدينة الرائعة الغريبة تنبض بالحياة؟ ما الذى يجعل كلكتا كلكتا؟ أهم أناسها الذين تتدفق الحياة فى دمائهم؟ أم هى روح المدينة التى تأبى الموت والفناء؟ قد يكون الإثنان مجتمعين. فإنك إذا ما تحدثت مع أحد ابناء المدينة البنغالية سيخبرك بنبرة حالمة أن قلب كلكتا لا يمكن انتزاعه وأن روحها لا يمكن سحقها، فهى خالدة برغم عبث الزمن وبرغم ما قد يخبئه لها المستقبل. وإذا كانت المرونة وما تنطوى عليه من قدرة على التكيف هى ما يميز الشعب الهندى، فإن هذه الخاصية تتجلى أكثر ما تتجلى فى أبناء هذه المدينة. منذ أن هبط جوب تشارنوك، ممثل شركة الهند الشرقية، على ضفاف نهر الهوجلى فى الرابع والعشرين من أغسطس 1690 وأخذ يدخن غليونه تحت ظلال الشجرة العجوز المشهورة فى بيتاكانا، لم تتوقف المدينة عن النمو والازدهار. كانت البداية متواضعة، إذ لم تتعد قرى المدينة عندئذ الثلاث : سوتانتى وجوفيندابور وكاليكاتا. ومن هنا ومن خلال جوفيندابور، امتد الطريق إلى كاليجات، الذى كان مكانا للحج عامرا بالحيوانات البرية والعصابات.

ولو أن كاليجات قد جذبت الأنظار إلى كلكتا لقدسية المكان، فقد كان للطرق التجارية بالمدينة نفس التأثير. فعندما بدأ البرتغاليون يترددون على شواطئ البنغال عام 1530 تقريبا، أصبحت تشيتاجونج، الواقعة فى شرق كلكتا، وسابتاجرام، الواقعة فى غربها مركزين عظيمين للتجارة. وكان نهر الهوجلى عندئذ سهل اجتيازه وأصبح نقطة رسولهم.
كانت قرية جوفيندابور تسكنها عائلتى الـ "باسك" والـ "الست" اللتين عمل ابناؤهما فى حرفة النسيج. وكان هناك سوق للغزل ازدهرت من خلاله الصفقات التجارية بين أبناء العائلتين من ناحية والبرتغاليين ومن بعدهم شركة الهند الشرقية من ناحية أخرى وفى وقت حكم الامبراطور المغولى اروانجزب، استقرت فيما بعد عائلة سافارنا تشودهورى فى قرية بهالا المجاورة وأقام الهولنديون لاحقا مصنعا لهم فى قرية باراناجور، أصبحت كل هذه القرى فيما بعد جزءا من مدينة كلكتا.
وكانت بداية نثر بذور الهيمنة البريطانية متزامنة مع قرار جوب تشارنوك بإقامة مصنع بقرية سوتانوتى، وعلى امتداد الفترة من القرن السابع عشر وحتى مشارف القرن العشرين، كتب البريطانيون فصلا من تاريخ كلكتا. ومن حدود قلعة ويليام التى بناها البريطانيون، أخذوا يتوسعون بصورة محمومة إلى مناطق أخرى. ومازالت الأبنية الفخمة التى شيدوها بميدان دالهومسى باقية كرمز من رموز الماضى، التى تبدو بعضها وكأنها شيدت بالأمس القريب مثل نصب فيكتوريا التذكارى والعديد من الكنائس القديمة والمسارح والفيلات المقامة فى الضواحى الهادئة.
وتاريخ كلكتا زاخر بالشخصيات التى أعطت له سمته المميزة، ذلك التاريخ الذى تمتزج فيه الحقيقة بالخيال. ففى عام 1756، اقتحم سراج الدين دولة النواب البنغالى القلعة، التى استعادها روبرت كليف عام 1757 بعد هزيمة سراج الدين فى موقعة بلاسى وأعيد عندئذ بناء كلكتا كعاصمة للهند البريطانية.
ولم يقف تأثير البريطانيين عند حد العمارة والبناء، فقد خلف الكتاب الصغار الذين كانوا يدعمون ادارة شركة الهند الشرقية نظاما يعتمد على التدقيق البالغ فى التفاصيل مازال يتبع دينيا حتى يومنا هذا.

ثم كان بعد ذلك قدوم التجار الذين أقاموا متاجر فى كلكتا تتعامل بصورة رئيسية فى المنسوجات والتوابل والجوت والشاى. وقد قدم هؤلاء التجار من أوروبا إلى الهند بعد أن عبرت سفنهم العديد من المحيطات والبحار، وقد لقى العديد منهم حتفه خلال الرحلة أما الباقون فقد استقروا فى كلكتا وأقاموا لهم منازل هناك.. وهكذا ولدت البيوت التجارية والهيئات التجارية الصغيرة التى ازدهرت على مر الأعوام حتى أصبحت ذات شأن عظيم ولا يزال العديد منها باقيا حتى اليوم فى كلكتا.
وإلى جانب نوادر المغامرين والباحثين عن الثروة، يثرى تاريخ كلكتا العديد من الحكايات والقصص التى كان أبطالها من الأجانب الذين أرادوا أن يتركوا تأثيرهم على الثقافة الهندية، ففى عام 1818، أسس ويليام كارى جامعة سيرامبور وتعلم اللغة البنغالية على أيدى العديد من كبار المدرسين الهنود، وفى ذات الفترة بدأ روبرت نايت اصدار صحيفة الـ "ستيسمان" اليومية الناطقة باللغة الانجليزية والتى كانت ومازالت أكثر الصحف الناطقة باللغة الانجليزية توزيعا فى كلكتا، وكانت "مذكرات حول التعليم" لتوماس ماكولاى عملا ذا أثر كبير فى إعطاء دفعة للتعليم الغربى فى الهند.
وبنهاية القرن الثامن عشر، انتشر الأوروبيون خارج حدود نطاقهم وأقاموا المنازل المحاطة بالحدائق، وكان فى هذا الاتجاه دلل على شعورهم بالأمان،خلافا لما شعروا به عند بداية قدومهم، أما سكان المدينة الأصليون فالتزموا بالأسلوب التقليدى لبناء منازلهم وفى حياتهم بصفة عامة، باستثناء قلة قليلة نزعت إلى تبنى أسلوب الحياة الانجليزى حيث ظلت الثقافتان منفصلتين بالنسبة للأغلبية الكبيرة التى تقطن المناطق الشمالية حتى بعد أن تسلل الفكر الأوروبى إلى عقول المثقفين البنغاليين.
وفى بداية القرن العشرين، فرضت المتغيرات أن يكسر الانجليز دائرة انعزال حياتهم عن أبناء المدينة الأصليين، حيث تطلب النظام التجارى مزيدا من التعامل والاختلاط بين الطرفين. بل أن حركة وطنية جديد بدأت فى الظهور، داعية إلى استقدام رؤوس الأموال من خارج كلكتا، وشيئا فشيئا، ظهرت فى كلكتا مجتمعات وطوائف مختلفة يعيش كل منها فى المدينة اليوم وقد بنى لنفسه عالمه الخاص. ففى تشيناتاون يعيش الصينيون وفى بارك سيركس يعيش الهنود من أصل انجليزى وفى ميتيابروز يعيش المسلمون وفى اجلين رود يعيش الجوجراتيون وفى سوكياس وسييناجوج يعيش اليهود والأرمن، وتحتضنهم كلكتا جميعا بكل الحب وتزدهر على أرضها هذه الثقافات جميعا جنبا إلى جنب. ويميز كلمن هذه الأماكن سحره الخاص وثقافته المتفردة، فالثقافة وكلكتا لا يمكن أن يعيشا بمعزل كل عن الآخر.