تعد العربة الصغيرة التى يجرها الصبية أنسب وسيلة للانتقال داخل أجرا فسرعتها البطيئة تتماشى ونمط الحياة فى هذه المدينة التى تنتمى للعالم القديم. كان الصبى الصغير يشق طريقه وسط الزحام، مراوغا سائقى عربات الطنجة والدراجات والمشاه، متلفظا بعبارات السخط والنقم، ولكن ما أن أشرفنا على طريق تاج، استحالت تلك العبارات الى أغنية رقيقة الكلمات، عذبة النغمات وانطلق الصبى فى حرية عبر الطرق التى تصطف على جانبيها الاشجار وتحتفظ بالبيوت ذات الطراز العتيق.
نظرت لأعلى، فإذا بسرب من الطائرات الورقية لا تسجل ذاكرتى أن رأت مثيله رفرف فيرتفع ويهبط فى السماء الصافية، بادرت بالسؤال أهو يوم من أيام الأعياد؟، "أجاب الصبى الصغير" كلا سيدى، ولا حتى من أيام العطلات فسألت.. مستفسرا "لماذا اذن كان هذه الطائرات؟" لم يعبأ الصبى حتى بالنظر إلى ولكنه أجاب : "يمكنك أن ترى مثل هذه الطائرات فى كل مكان سيدى" فقلت "لم يحدث أن رأيتها فى دلهى" ارتفع صوته "ولكن أهل دلهى مشغولون دائما أما الناس فى اجرا، فلا يزال لديهم الوقت، انهم يقومون بذلك كل أحد، وأحيانا ما يجرون المسابقات فيما بينهم".

نظرت لأعلى، فإذا بسرب من الطائرات الورقية - لا تسجل ذاكرتى أن رأت مثيله يرفرف فيرتفع ويهبط فى السماء الصافية، بادرت بالسؤال أهو يوم من أيام الأعياد؟، "أجاب الصبى الصغير" كلا سيدى، ولا حتى من أيام العطلات فسألت.. مستفسرا "لماذا اذن كل هذه الطائرات؟" لم يعبأ الصبى حتى بالنظر إلى، ولكنه أجاب : "يمكنك أن ترى مثل هذه الطائرات فى كل مكان سيدى" فقلت "لم يحدث أن رأيتها فى دلهى" ارتفع صوته "ولكن أهل دلهى مشغولون دائما أما الناس فى اجرا، فلا يزال لديهم الوقت، إنهم يقومون بذلك كل أحد،وأحيانا ما يجرون المسابقات فيما بينهم".
وعندما اقتربنا من المدينة، لفت انتباهى بعض الطائرات المعلقة فى الأشجار أو المتدلية من اسلاك الكهرباء، ولكنى لحظت أن بديلها دائما ما يرتفع على الفور.
سألت الصبى أن يحدثنى بعض الشئ عن أمر هذه الطائرات وكيف تصنع وما القصة وراء ابتكارها، ولكن يبدو أن الصبى ضاق ذرعاً باستفساراتى، فالموضوع بالنسبة له كان مضجرا بقدر ما كان شيقا بالنسبة لى، ولعل ذلك ما دفعه لأن يتجاهل أسئلتى ويقول "انك لم تر تاج محل سيدى" انصعت لرغبته فأجبت "وهو كذلك، خذنى إلى هناك".
وحتى تتمكن من رؤية تاج محل بحق، عليك ألا تزوره مساء وتضيع فرصة تأمل منظر اشعة الشمس وهى تنعكس على رخامه الابيض وقفت أمامه وعيناى لا تقوى على الحملقة فيه من فرط بريقه الذى يبهر الابصار، أخذت أتأمل كل شئ حولى، الحدائق المتسقة، الجدران التى تحيط بحجر الضريح الوردى، النهر المنعطف، كل شئ سوى الأثر ذاته.

إنه هناك بالطبع منتصبا فى شموخ، محتضنا بتاريخه الخاص لغزا وأعجوبة ترفض المحاكاة، معبراً عن معجزة روحية تتأرجح بين الحقيقة والخيال، شاهدا على واحدة من أعظم قصص الوفاء والاخلاص، رامزا إلى تحول الموت فى لحظة إلى مجد وخلود، انه تاج محل الذى شيه الامبراطور شاه جهان فى الفترة من عام 1631 حتى 1653 كضريح لزوجته ارجماند التى اشتهرت باسم ممتاز محل، وقد ولدت عام 1592 وتزوجت من شاه جهان عام 1612، وتوفيت بعد إنجاب طفلها الرابع عشر عام 1631. وبعد وفاة الامبراطور أوصى بأن يدفن بجوارها.
يرتفع تاج محل على منصة من الرخام تبلغ مساحتها ما يقرب من 313 مترا مربعا، تطل على نهر اليامونا، على منأى من الحدائق المحيطة به. أما القبة الضخمة الكمثرية الشكل، فيبلغ قطرها 60 قدما، وترتفع بمقدار 80 قدما، وتستطيع أن ترى فى القوس الرئيسى الداخلى قطعة رخامية مقببة تم حفرها بأشكال ماسية، فى حين زينت بوابة الدخول بنقوش حالكة السواد من الآيات القرآنية التى كتبت بخطوط عربية رائعة الجمال، ويثرى الصرح بكامله بلوحات من الرسوم المنحوتة البارزة والزخارف العديدة من الأحجار الكريمة يواجهك فى المدخل بعض الدرجات التى تقودك إلى البهو حيث التوابيت الحقيقية التى ترتفع فوقها النصب التذكارية الخاصة بها، وعبر الممر المحيط بالغرفة العلوية تزهر نباتات من فصيلة السوسنيات، وقد أحيطت النصب التذكارية بلوح مثمن الأضلاع من الرخام الابيض المزخرف برسومات معقدة التصميم ونقوش زهرية رائعة، وفى المنتصف تماماً، يقع ضريح ممتاز محل الصغير، بينما يأخذ ضريح شاه جهان معظم مساحة اللوح الرخامى.
تركت المكان ونفسى تملأها الرهبة، متجهاً ناحية النهر، حيث يشق اليامونا طريقة ليلاقى نهر الجانج، ومعرفتى باليامونا قوية للغاية، فقد رأيته ينبع من التلال السفحية بالقرب من كالسى وعرفته يشق طريقه عبر حقول الذرة وقصب السكر فى سهول أوتار براديش، متهاديا أحيانا ومندفعا أحيانا أخرى، وتابعته فى دلهى تنتشر على ضفافه الملابس المغسولة لمئات العاملين، وراقبته فى ماثورا والسلاحف الضخمة تعيش فى مياهه.
ينعطف مجرى النهر بعدئذ صوب اجرا، حيث الببغاوات تتلألأ تحت أشعة الشمس، وطيور الرفراف تقترب من سطح الماء وطاووس يختال عند المروج التى تحيط بتاج محل تتبعت الطاووس الوديع المروض حتى وصل بى إلى صبى صغير يجلس فى ظلال شجرة وبيده حفنة من فاكهة خضراء صغيرة.
لم أكن قد رأيت تلك الفاكهة من قبل فاقتربت من الصبى وسألته عنها، فأجاب وهو يمد لى يده ببعض منها "أنها فاكهة من شجرة شوك، وهناك العديد منها فى الحديقة" وأخبرنى أن والده كبير المسئولين عن الحديقة، ولذلك يسمح له بأخذ تلك الفاكهة، سألته "هل تقيم هنا؟".
قال : كلا أننى أقيم فى الناحية الأخرى، ولكنى أحضر هنا كل يوم لأساعد والدى ولأكل من هذه الفاكهة.
قلت : إذن، فإنك ترى تاج محل كل يوم.
قال : نعم أراه كل يوم.
قلت : أنا أراه للمرة الأولى.. يالك من محظوظ.
هز الصبى كتفيه متعجبا "أليس رؤيته للمرة الأولى مثل رؤيته للمرة الألف أنه لا يتغير!.
قلت : لماذا ألا تستمتع بالنظر اليه؟
قال : بل إننى استمتع أكثر بالنظر إلى من يحضرون لمشاهدته، انهم دائما مختلفون.
قلت : لابد وأنك رأيت أناسا من كل أنحاء العالم تقريبا.
قال : حقا أن الجميع يأتون هنا لمشاهدة تاج محل، ملوكا وملكات، رؤساء دول وحكومات، نجوم وشخصيات بارزة، وحتى الفقراء من الناس يحرصون على المجئ هنا. وأظل واقفا أتأملهم، لذلك فقط لا أجد النظر لذات المكان يوميا أمرا مضجرا.
وقفت أراقب الصبى وهو يعيد النظر للأثر من جديد محاولا إعادة اكتشافه ومعرفة فيم كل هذا السحر الذى أتحدث عنه والذى يجتذب الناس من كافة بقاع الأرض.

مرت سحابة خفيفة، فحجبت الشمس الساطعة لوهلة، تمكنت خلالها أن أمعن النظر للمرة الأولى فى هذه التحفة المعمارية التى يشابه تخطيطها وتصميمها معظم أضرحة المغول، الذين قدموا الهند عام 1526، ووحدوها للمرة الأولى تحت لوائهم بعد أن طال عناؤها من الاضطرابات العرقية، وخلفوا وراءهم تراثا غنيا ساحرا، تجسد أكثر ما تجسد فى الأبنية المعمارية التى تزخر بها اجرا حيث كانت مسرحهم الرئيسى ومقرهم لأكثر من مائة عام. فقد قدم أول مغولى ليؤسس دولته فى الهند، وكانت اجرا واحدة من أكبر المدن فى قلب الهند الشمالية، وقد ظلت قرية رعوية حتى قدوم السلطان سكندر لودى الذى أسس المدينة الحالية عام 911 ميلادية وقد شيد عدة أبنية لم يتبق منها سوى برادارى التى تبعد بمسافة قصيرة عن ضريح أكبر فى سكندرا، وكانت عاصمة لودى حتى تمكن بابور من هزيمة إبرهايم لودى فى معركة باينبات عام 1526 ميلادية وقد أوفد بابور ابنه ووريثه همايون حيث أجهز على ما تبقى من دولة لودى واستولى على كنوز وقصور عائلة لودى.
وقد اسس القائد الشاعر بابور عاصمته فى اجرا وشيد حديقة رائعة الجمال أمام الأحياء السكنية على طول النهر، أطلق عليها اسم "أرام باغ" أو حديقة الراحة، ويقع على مقربة منها ضريح اعتماد الله الذى كان رئيسا لوزراء الامبراطور جهاغير وقد أطلق على همايون اسم "المغولى الأكبر" وتوج امبراطور على اجرا، وعندما أصبح ابنه أكبر امبراطور عام 1558 أعاد تسميته أجرا باسم اكبر اباد. وظلت عاصمة للمغول الى حين أدرك شاه جهان أنه فى حاجة إلى مدينة رئاسية اضخم، ومن ثم شيد مدينة شاه جهان أباد فى دلهى، وظلت كافة الكنوز الملكية حتى ذلك الحين فى مدينة اجرا، كما شيد السلاطنة والأشراف بيوتا لهم وأضرحة فخمة فى المدينة، يمكنك أن تستنشق فيها عبير العصور الوسطى، نمت المدينة خلال فترة حكم الامبراطور بسرعة كبيرة وامتدت إلى خارج حدود الأسوار، وانتشرت المحلات التجارية التى كانت تمتلئ بالسجاد العجمى والأقمشة الحريرية والماس والمجوهرات والملابس الموشاة بخطوط الذهب، وكبرت حتى وصلت إلى أقصى شمال المدينة.
وتستطيع عند زيارة اجرا اليوم أن تميز بين ثلاثة أساليب معمارية من الأبنية التى شيدها الأباطرة أكبر وجهاغير وشاه جهان، فقد شيد الاثنان الأولان القصور والقلاع من الطوب الرملى الأحمر، فى حين بنى الأخير القصور من الرخام الأبيض بتصميمات وأشكال فارسية ساحرة.

وبينما تركز نشاط شاه جهان فى المبانى المعمارية الأثرية الواضحة تماما فى كل من أجرا ودلهى، يعود الفضل الحقيقى لبداية مرحلة جديدة من إنشاء المبانى الفخمة إلى نور جهان، وقد كانت نور جهان الرائعة الحسن والجمال زوجة الامبراطور جهاغير، كما كانت الحاكم الفعلى للامبراطورية حيث انغمس زوجها فى ملذاته الدنيوية. وقد ابتكرت تصميمات جديدة من الحرير والقطن وتصميمات مبتكرة للمجوهرات والديكورات، ويرى بعض الرومانسيين أن تراث الشمال الهندى لا يزال حتى اليوم يحمل بين طياته علامات نبوغها وعبقريتها. أما التجسيد الخالد لهذه الموهبة البارعة فقد تجلى فى الضريح الفخم الذى شيدته لوالدها قيس الدين بك، الذى عينه زوجها الامبراطور رئيسا للوزراء وأنعم عليه بلقب اعتماد الله.
وتروى الأساطير أن الامبراطور أكبر الذى لم يرزق الذرية قام بصحبة زوجتهالملكة جودها باى برحلة الحج سيرا على الأقدام بحثا عن مباركة الشيخ سليم شستى الذى كان يعيش فى فاتحبور سيكرى. وقد دعا له الشيخ سليم بان يرزق بثلاثة ابناء، وعندما رزق طفله الأول لم يطلق عليه اسم سليم تيمنا بالشيخ، بل شيد الامبراطور أكبر هذه العاصمة المهيبة كرد لجميل الشيخ الجليل وزينها بعدد من القصور الفاخرة، يتصدرها برج أكبر الذى أسماه بوابة النصر، ونقش عليها هذه العبارة.
"
الدنيا جسر للعبور، وليستدارا للبقاء،ومن يأمل فيها ساعة كمن ينشد الخلود، إن الدنيا ساعة، فمن قضاها فى العبادة الخالصة فاز فوزا عظيما".أفقت فى رحلة الماضى على صوت صبى يجر عربته، يعرض على أن يصحبنى فى جولة غرب قلعة أجرا، فرحت أتجول بين المحلات القديمة، ولم أندهش عندما وجدت شارعا صغيرا تكاد تشغله بأكمله محلات الطائرات الورقية التى يبيع معظمها الطائرات الصغيرة الرخيصة، إلا احداها يحتوى على مجموعة متنوعة من الطائرات الرائعة.. دخلت المحل لأجدنى أمام عمدة هذه الحرفة فى اجرا، وكان قد انتهى لتوه من ابتكار طائرة جديدة من الورق والحرير.
رحب بى الرجل العجوز ترحبا شديدا، فالناس فى اجرا يتعاملون بود بالغ. أخذ الرجل يشكو لى من الكساد الذى يعانون منه فى الوقت الحالى، ويخبرنى أنه كان على أن أزور اجرا منذ خمسة وعشرين عاما حينما كانت هذه الطائرات "لعبة الملوك". أما الآن فالناس دائما متعجلون، يجرون ويلهثون، وتضيع بني خطاهم السريعة الأحلام الوردية والاشياء الرقيقة، تماما مثل هذه الطائرات.
بدأ الرجل يعود بذاكرته للوراء، ويقص على فى نشوة وحنين بعضا من النوادر والمواقف التى قابلته خلال سنين عمره الطويل، وكيف أنه صنع فى أحد الأيام طائرة ضخمة من الورق على هيئة تنين، وكان الناس يحضرون من كل مكان ليشاهدوا روعتها ويشهدون له بالبراعة، وفجأة تغيرت نبرات صوته وفقد بهجته وهو يقص على كيف فقد هذه الطائرة بعد أن جعلها ترتفع عالياً فى السماء، ثم اخبرنى بأنه سيصنع لى طائرة رائعة جديدة قبل أن أغادر اجرا، وأخلصت له الوعد بأن احتفظ بها معلقة على جدار حجرتى وألا أدعها تضيع بعيدا فى السماء.