نجالاند.. حيث الجمال فى صورته الأولى *

فى أطراف الشمال الشرقى، وعلى الحدود بين الهند وميانمار تقع ولاية نجالاند الجبلية. وربما كان بعد الولاية والتصور العام بصعوبة الوصول اليها سبباً فى خلق الصورة الماثلة فى أذهان العديدين من أن ولاية نجالاند ليست إلا منطقة نائية غريبة. غير أن جمال نجالاند الأصيل وعراقة تاريخها وخصوصية شعبها تجعل من تلك الصورة زيفا لا حقيقة.

على امتداد الطريق الى نجالاند أو مرتفعات الناجا، كما كان يطلق عليها فى القرن الثامن عشر، تعلو السلاسل الشرقية لجبال الهمالايا عبر المساحات الشاسعة المحيطة بنهر البراهما بوترا، والتى تكتسى بغابات كثيفة لا حدود لها.

وفى مدينة ديمابور، حيث المطار الوحيد بالولاية، دائما ما تكون بداية الرحلة. وما أن يصل المرء إلى هذه المدينة حتى يستنشق هواء الجبل ويشم رائحة الغابات. وعلى بعد 74 كيلو مترا حيث تفترش جانبى الطريق الأكشاك التى تبيع الشاى والخضراوات والسلع الموسمية، تقع مدينة كوهيما عاصمة نجالاند، وقد نشأت المدينة خارج حدود قرية كوهيما القديمة والتى ربما كانت تعرف باسم "بارا باستى" أو "القرية الكبيرة" وخلال القرن التاسع عشر، كانت كوهيما هى العاصمة الإدارية لقرى مرتفعات الناجا التى ضمها البريطانيون حديثاً.

وحتى قام البريطانيون بالتغلغل فى هذه المرتفعات وبناء طرق داخلية بها للوصول الى ميانمار (بورما سابقا) لم يكن يعرف الكثير عن القبائل التى تقطن مرتفعات الناجا، وكان يطلق عليهم بشكل عام فى سهول آسام الـ "ناجا" أو "سكان المرتفعات". وتشير الأساطير التى تتداولها قبائل الناجا المختلفة الى أنهم قد وصلوا الى موطنهم الحالى من خلال موجات هجرة متتالية. وهناك ذكر فى أقدم السجلات التى خلفها ملوك الـ "اهوم" الذين حكموا ولاية آسام فى القرن الثانى عشر الميلادى الى وجود صلات تجارية بين آسام وقرى الناجا المجاورة لها. وكان فى عام 1863 أن تشكلت حدود ولاية نجالان التى فصلتها عن آسام.

وفى مناطق هذه الولاية السبع يعيش أكثر من 15 قبيلة ناجا. وتعيش بعض قبائل الناجا أيضا فى مانيبور وآسام وفى ميانمار عبر الحدود. ويتحدث كل من هذه القبائل لهجة مختلفة برغم أن الانجليزية هى اللغة الرسمية. وأسماء القبائل مثل الـ "انجامى" والـ "لوتا" والـ "آو" هى التى تفرق الناجا عن بقية قبائل الجبال والمرتفعات فى المناطق المجاورة ورغما عن اختلاف الاعراف والممارسات المحلية، فإن غالبية قبائل الناجا تجمع بينها سمات مشتركة، وباستثناء قبيلتى الـ "انجامى" والـ "لوتا" اللتين تشتغلان بزراعة الأرز فى الحقول المدرجة فإن بقية قبائل الناجا الأخرى تعمل بزراعة مناطق السبخة.

وكافة قرى الناجا مقامة فق أعلى نقاط فى السلاسل الجبلية. ويعود هذا التقليد إلى الأونة القديمة، حيث اعتاد الناجا الاستقرار فى أعلى النقاط حتى يتسنى لهم مراقبة أى تهديد قادم إليهم من أسفل الجبل.

اكتسب الهيكل السياسى التقليدى لمختلف قبائل الناجا قديما الشكل الديمقراطى حيث الكلمة الأخيرة والفاصلة فى شئون أفراد القبيلة لمجلس من شيوخها وحكمائها. وحتى اليوم، لا يزال زعماء بعض القبائل هم الحكام الفعليين لقريتهم وربما القرى التى تدور فى فلكها. وقد كان من المعروف عن الناجا أنهم دائمو السعى وراء رؤوس الحيوانات سواء فى وقت الحرب أو وقت السلم حيث تتطلبها شعائرهم الخاصة، وربما لهذا السبب، ظل سكان السهول يخشون الناجا باعتبارهم بادين متوحشين.

واليوم، لا تزال بعض لمحات أسلوب الحياة التقليدى للناجا جلية فى قراهم، وإن امتزجت بالتأثيرات الوافدة من الخارج، والتى دخلت مع تحول عدد كبير من سكان نجالاند إلى المسيحية وانتشار التعليم فيما بينهم. ولعل ولاية نجالاند مثال رائع على مقولة "التواصل فى التغيير". والحقيقة أن الاساليب التقليدية لقبائل الناجا فى الزراعة وبناء المنازل واستخدام البامبو فى صناعة أدواتهم المختلفة وملابسهم الشهيرة واحتفالاتهم

المتعددة تقف متحدية صورة مجتمع "صائدى الرؤوس" التى عم الغرب الى إشاعتها، وتبرز بدلا منها صورة المجتمع المتحضر الذى بجانب أخذه بأسباب التقدم والمدنية يجاهد بضراوة من أجل الحفاظ على كل ما يعبر عن هويته.