من ثقب الباب
بقلم: كامل زهيري
العين تري وتسمع ألوان والحان "تاج محل" دمعة علي خد الخلود
في الألوان الحان..
ولهذا عشقت فن الرسم. واحببت زيارة المعارض والمتاحف والمراسم.
وروعة ومتعة الرسم ان الرسام يبدأ لوحته بنقطة. وتصبح النقطة في خياله خطاًَ. ثم يصبح الخط بعد ذلك في لوحته أرضاً أو سماء.
واجمل قصيدةاحببتها للشاعر رامبو واغربها أنه حاول في قصيدته أن يربط بين العين والأذن. واللون واللحن. وربط بين الحرف مكتوباً وما يرادفه في خياله من نغمة مسموعة.
ولهذا احب كثيراً من الشعراء الملهمين هواية الرسم. ونبغ الشاعر رانبند راناتت طاغور في دواوينه ومسرحياته واغانيه واشتهر أيضا بلوحاته. وكان الشاعر المفكر محمد اقبال يرسم لوحاته ويعلم تلاميذه فن الرسم.
وقد عرض معهد العالم العربي بباريس منذ سنوات قليلة لوحات الشاعر جبران خليل جبران. وكان اندريه برستون مؤسس السريالية شاعراً يرسم مع صديقه ماكس ارنيستا وسلفادرور دالي. وقد أعلن الشاعر الرسام الحرب علي النثر ودافع عن الشعر. وقال ان النثر كالمشي والشعر كالرقص.
وكان جان كوكتو يرسم كتبه. وكان صديقاً لعميد الأدب العربي طه حسين وضيفه في مصر. ولكنه لم يرسم كتابه عن رحلته لمصر واختار عنوانه الغريب : ""معلهش". ونشر عنوانه بالألف لأن الفرنسية ليس فيها حرف "العين".
وكان الشاعر هنري ميشو يرسم أيضاً. وقد صحبته إلي مسرح نجيب الريحاني بشارع عماد الدين لمشاهدة "حكم قراقوش" وكان يقهقه ضاحكاً مع أنه كان لا يعرف العربية.
وقد تعلقت بالرسم منذ الصبا واحببته. وقد يكون السبب مدرس الرسم في مدرسة القربية الابتدائية قرب محطة حلوان القديمة وميدان الأزهار. وكان المدرس لطيفا وصديقاً. وكان اقل المدرسين كلاماً واكثرهم انهماكاً بالخطوط والألوان. وكانت أول جائزة مدرسية افوز بها. وأنا في التاسعة. في مادة الرسم.. وتعلقت بعد مدرس الرسم بمدرس الجغرافيا. وشاقني أن مادة الجغرافيا فيها رسم الخرائط بالألوان. وتحديد الموضع والموقع. وحديث سحري كما كان يبدو لي أيام الصبا عن عالم البحار والجبال والصحراء والغابات.
ولكني توزعت بين السمع والبصر لأن عيني كانت تفوز دائماً وأذني تخونني كثيرا. فما أن أقرأ كتاباً حتي تتسمر عيناي علي بعض الكلمات في مكانها. واتذكر حتي الصفحة: علي اليمين أو الشمال. فوق أو تحت. في المتن أو علي الهامش. وقد استبدت بي ذاكرتي البصرية حتي أصبحت أحس أحيانا أن عيني جائعة بخدع للقراءة أو للرؤية والامتلاء. وساعدتني مهنة الصحافة ودفعتني إلي حب السفر. وهو نوع آخر من القراءة. ففي السفر تقرأ الوجوه والبشر. وتقرأ العمارة والمباني والشوارع والمقاهي أو المتاحف والمعارض.
وهكذا كانت عيني دائماً تسبق قدمي. وقد تعلمت هواية أو فن المشي وسط المباني والعمارات واكتشفت أن العمارة ايضا فيها الحان الموسيقي. وتلحين الخطوط والمساحات والاحجام. لأن التكرار والانسجام والتوافق يوحي أيضاً بالموسيقي. وكما في الألوان سلم الألوان. ففي الموسيقي سلم يعلو ويهبط. وبين الألف والياء يصير اللون مهما بين الأخضر والاحمر.. وبين الأصفر والبنفسجي.
ومازلت أذكر مؤلفات الفنان الكاتب الفذ ثروت عكاشة حين ردد عنوان "العين تسمع" لمؤلفاته الجميلة والعديدة في تاريخ الفنون في العالم وقد ابتكرها - كما بدا لي - صديقه وزير الثقافة وصديق ديجول الروائي والناقد اندريه مالروه.
وقد زار مصر مرات عديدة. ولكنني قرأت بعد ذلك نفس المعني "العين تسمع" عندما قرأت الاسحاقي شاعر القرن السادس عشر في مصر. وصاحب كتاب "لطائف اخبار الدول فيمن تعرف في مصر من أرباب الدول".
وللأسحاقي بيت شعري. يقول فيه:
انني أري الديار بعيني
فلعلي أري الديار بسمعي
وكانت اول رحلة لي ومازلت في الواحدة والعشرين إلي الهند وكانت الهند رحلة في الألوان. لأن اللون فيها مثل الحرارة قوي عميق ملتهب. والخضرة قطيفية وناعمة.. لكثرة الأمطار. والسماء في الهند أعلي سقف في العالم.
وبعد 17 عاماً جاءت رحلتي الثانية للهند وزيارة أجمل الآثار الإسلامية "تاج محل".. وكانت تجربة رائعة للعين حين تسمع.
فاللون في الهند ملتهب. والخضرة ناعمة وزيارة تاج محل هذا الصرح المغولي اكتشاف للعلاقة بين العمارة والموسيقي. وقد وصف الشاعر طاغور "تاج محل" بأنه "دمعة علي خد الخلود".
وأقتبست عبارة طاغور عنوانا لمقال لي بعد رحلتي عن تاج محل عام .1966 لأن الفنون بلغت اوجها في عهد الامبراطور شاه جيهان. وكانت زوجته التي احبها لا تفارقه حتي في غزواته العسكرية. وكانت شديدة الذكاء. باهرة الجمال كما ترسمها لوحات عصرها. وكانت تأنس للموسيقي وتقرض الشعر بالفارسية. كان شاه جيهان نفسه قد تربي في بلاط جده الامبراطور "اكبر" وكان الحفيد الأقرب إلي قلب جده. وتولي الحكم بعد والده "جهانكيز" "1605 - 1628". وقد بلغت الفنون المغوليه أوجهافي الموسيقي والعمارة والسجاجيد وفي الأقمشة. وتلألأ الشعر الصوفي الرقيق.
ولابد أن اتوقف عند الأقمشة الحريرية. وعند ثوب الساري الحريري الذي تلبسه المرأة الهندية. ولو قيل أن شدة الحر في الهند هي التي تدفع إلي صنع الثياب الهفهافة فقد بالغ الفنانون في أن يصبح الثوب الحريري أو الساري الهندي - وهو يختلف عن الكيمونو الياباني.. لأن الساري الحريري شفاف كالهواء. وإذا كان بعض صناع تلك الثياب يفخرون في العصر الفاطمي عندنا برقة الثياب. ويراهنون أنهم كانوا يستطيعون ادخال عباءة بأكملها أو ثوب بأكمله من ثقب خاتم صغير. فقد رأي مؤرخ الأمبراطور اكبر - عبد الحميد وكان وزيره أيضا أن الامبراطور غضب علي ابنته المفضلة لأنها بدت شبه عارية في البلاط! ولم يقبل عذرها إلا بعد أن عرضت عليه ثوبها. وقالت أنها لفته حول جسمها سبع مرات. ولكن الثوب كان هفهافا ناعما كالنسيم أو الهواء. وجعلها تبدو عارية دون أن تقصد!
وجاء تاج محل عمارة بيضاء صافية من الرخام والجرانيت. وكان الفن المعماري قد بلغ قمة الابداع حتي قال المهندسون "ان نقاء الخطوط في العمارة من نقاء الأمواج". وحين فقد شاه جيهان حبيبته ممتاز محل قرر من شدة الحزن والشجن أن يبني لفقيدته مشهداً وحديقة ومسجداً. واستغرق بناء تاج محل عشرين عاما ليعمل فيه 20 ألف فنان وخطاط ونقاش ومعماري. وأصبح تاج محل من معجزات الدنيا السبع الخالدة. ولن ننسي بأن العين تسمع وأن في الألوان الحاناً إلا إذا رأيت تاج محل بعينيك واستمعت إلي الايقاع بين الكتلة والفراغ والطول والعرض والأرض والسماء واحسست بالايقاع والموسيقي وهما يعزفان الوجد والحنان.
وقد ابتكر شاه جيهان نفسه اقامة التاج من الرخام الأبيض حتي ينعكس الضوء عليه عند الفجر والصباح والظهيرة والضحي والمساء.. إلي ضوء القمر.
ويبقي التاج كما قال طاغور حين رآه بعد أكثر من ثلثمائة عام أنه "يشبه الدمعة علي خد الخلود".
***
وكانت رحلتي الأولي إلي الهند حيث عشت عاماً وشهراً. واتجهت في شبابي الأول شرقاً قبل السفر غرباً. وكتبت كثيرا : "أن الهند حبي الأول.. وفرنسا حبي الثاني.. ومصر حبي الدائم". وكلما قرأت أو كتبت احسست بالحاجة إلي المزيد. لاعرف الأكثر عن جواهر لال نهرو "العقل". وطاغور "القلب". وغاندي "الروح".
وعثرت علي مقال للمهاتما في مجلته عام 1947 قبل اغتياله بعام يعارض فكرة قيام دولة دينية وهي إسرائيل. وتنبأ غاندي بروحه البصيرة أنها لن تكون خيرا وستؤدي إلي صراعات وحروب. وقد اكتشف المقال وعلق عليه الصديق الدكتور محمد انيس مؤسس المدرسة الوطنية الحديثة لاعادة كتابة تاريخ مصر.
وكان من اسرار اعجاب حزب المؤتمر الهندي وغاندي ونهرو وابو الكلام ازاد بالزعيم الوطني سعد زغلول أنه نجح في الجمع بين المسلمين والأقباط في حركة المطالبة بالاستقلال وجلاء الإنجليز. وكانوا يتمنون أن يتحقق ذلك في الهند.
وكما كانت العلاقات قديمة قبل ثورة 1952. وبعدها فقد شهدت مصر والهند ترابطا وثيقا في حركة عدم الانحياز ودعم حركات الاستقلال في العالم الثالث.
ومنذ خمسة أعوام التقيت بنائب رئيس جمهورية الهند كريشن كاند في القاهرة وكان حديثنا عن العلاقات القديمة الجديدة. وقلت بصراحة إننا كنا في الخمسينيات حتي السبعينيات نقابل في القاهرة الروائي ملك راج أناند ونعرف الكثير عن كل أدباء ومفكري هذه الفترة.. وكان كارانجيا يزور مصر ويكتب عنها. وألححت علي ضرورة ترجمة المزيد من الكتب القديمة والجديدة في الهند إلي العربية. وخاصة كنوز المخطوطات في المكتبة العثمانية بحيدر أباد.
وانتقل الحديث إلي ضرورة توثيق التعاون في الأبحاث العلمية في عصر المعلومات مع المدينة العلمية في بنجالور.
ولأن نائب الرئيس الهندي كان أيضا رئيس المجلس الهندي للعلاقات الثقافية كان الحديث عن أقدم الكتب بالعربية عن الهند منذ أكثر من ألف عام.. ومن أهمها كتاب "تحقيق ما للهند من مقولة. مقبولة في العقل أو مرذولة" لأبي الريحان البيروني. الذي توفي عام 1048. وكان موسوعيا ألف في الرياضة. والفلك والطب والصيدلة والتاريخ. وزار الهند 13 مرة. وصحب محمود الغزنوي في غزاوته وكان يتقن اليونانية والفارسية والعربية والسنسكريتية ويقارن البيروني بكسر الباء. بين الفلسفة اليونانية والهندية. وتحتل الفلسفة الخلقية للهنود مساحة واسعة من كتاب البيروني. وهي مرتبطة بالمعرفة وفي عقيدتهم أن بالعلم لا يكون إلا بالانتزاع عن الشر والتغلب علي قوة الشهوة والغضب. والالتزام بالسيرة الفاضلة التي يفرضها الدين. واصوله راجعة إلي جوامع عدة - كما يقول الباحث الكبير الدكتور محمود علي مكي في مقدمته:
- ألا يقتل. ولا يكذب. ولا يسرق. ولا يزني. وأن يلتزم بالطهارة ويديم الصوم. والتقشف وعبادة الله".
ومن حسن الحظ أن سلسلة "الذخائر" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة قد نشرت منذ عامين - ديسمبر 2003 - كتاب البيروني كاملاً عن طبعة 1958 التي أصدرتها دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد.
وأمامي الآن كتاب آخر أصدره المجلس الأعلي للثقافة. عن الانجليزية. لمحمد شبلي النعماني. ولكنه كتاب حديث لو قورن بكتاب البيروتي. وقد زار النعماني مصر عام 1892 ومن الهند إلي عدن ثم السويس ولبنان وقبرص وتركيا والقدس ثم مصر.
وفي بيروت التقي بالأمير عبد القادر الجزائري. ويتحدث عن التعليم والصحافة في مصر وعن علي مبارك وأحمد زكي والامام محمد عبده الذي قابله. والشيخ حمزة فتح الله. والكتاب حافل بالمعلومات.
وحسنا أننا اتجهنا شرقاً في الترجمة والنشر. وكل ما نتمناه هو المزيد والمزيد لكشف الكنوز في العلوم والفنون والشعر والعمارة.
***********