خطاب رئيس الوزراء الهندى بمناسبة اليوم العالمى للاعنف

 

2 أكتوبر 2007

 

لقد كنا نحتفل بهذا اليوم فى الهند على مدى عقود من الزمن باعتباره يوم الدعاء و الشكر لله. فقد كان كافة أبناء الهند يشركون الله عام بعد عام فى ذلك اليوم على أنه خلق روحا نبيلة طاهرة مثل المهاتما غاندى. و لكن اليوم، فإن ليس كل أبناء الهند فقط بل كافة سكان العالم ممن استشعروا رسالة المهاتما غاندى فى قلوبهم يشعرون اليوم بسعادة غامرة و مشاعر العرفان لهذا الرجل. إننا نكن كل تقدير و عرفان للمجتمع الدولى لإعلان هذا اليوم المبارك "اليوم العالمى للاعنف".

 

إن رسالة المهاتما غاندى لم تكن تُعنى بالهند وحدها. كما أنها لم تكن ترتبط بالحقبة الزمنية التى ظهرت فيها فقط. إن رسالة المهاتما التى تنادى بالحب و السلام و اللاعنف والساتياجراها والمساواة بين الناس و التناغم بين كافة الديانات هى رسالة عالمية بمعنى أنها تصلح لكافة الأزمان و كل المجتمعات و الشعوب.

 

إننا نشعر فى الهند بالفخر و العرفان لأن المجتمع الدولى قد أعلن ذلك اليوم "اليوم العالمى للاعنف". إن هذا القرار الذى اتُخذ بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة يرجع فى الأساس إلى الإعلان الذى تم خلال "المؤتمر الدولى للسلام و اللاعنف و التمكين...فلسفة غاندى فى القرن الحادى و العشرين" الذى عقدته السيدة/ سونيا غاندى منذ عدة أشهر فى نيودلهى. و خلال فاعليات ذلك المؤتمر، الذى عُقد بمناسبة مرور مائة عام على حركة الساتيا جراها التى دشنها الزعيم العظيم غاندى، تم إلقاء الضوء على السمة العالمية لرسالة المهاتما غاندى التى تنادى باللاعنف و الكفاح من أجل  الحق. لقد كان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا تاريخيا بمعنى الكلمة ، ولاقى ترحيبا عالميا. إننا نعرب عن شعورنا بخالص العرفان لكل من أيَد و دعم هذه الفكرة الرائعة فى الأمم المتحدة.

 

إن العالم لأحوج اليوم إلى رسالة الزعيم العظيم غاندى أكثر من ذى قبل حيث لا تزال الشعوب فى مختلف أنحاء العالم تعانى من خطر النزاعات والعنف و الإرهاب. وستظل رسالة المهاتما غاندى محفورة فى القلوب طالما ظل الشعور بالميل إلى استخدام العنف كامنا داخل العقل البشرى.

 

إن الأفكار التى اشتُهر بها المهاتما غاندى تستند إلى مجموعة من المُثل العالمية. و لعلكم تتفقون معى على أنه قد مرت علينا العديد من "المناهج و الفلسفات" خلال القرن الماضى، و لكن القليل منها فقط هو الذى استطاع أن يمس قلوبنا و يترك بصمة واضحة. فالعديد من الإيديولوجيات السياسية و الحركات التى تقوم على هذه المناهج و الفلسفات ظهرت ثم سرعان ما توارت. البعض ترك إرث مشكوك فى صحته و البعض الأخر كان له عواقب وخيمة. ولكن فلسفة الزعيم العظيم غاندى استطاعت أن تصمد على مر العصور و الأزمان و اعتقد أنها ستظل هكذا أيضا فى المستقبل طالما أن البشرية تسعى لتحقيق السلام و المساواة بين كافة الشعوب.

 

لقد تأكدت يوما بعد يوم أهمية رسالة اللاعنف التى نادى بها المهاتما غاندى للعالم كله من خلال حياة وتعاليم رجال السلام العظماء فى زماننا مثل مارتين لوثر كنج ود/ نلسون مانديلا. ودائماً ما يأتى ذكر غاندى حيثما تم إرساء العدالة وانتصرت الحرية من خلال الوسائل السلمية.

 

فما هى إذاً رسالة المهاتما غاندى؟ ترتبط مفاهيم التسامح والحق والشفافية واللاعنف واحترام الذات بالمهاتما غاندى. وتتسم هذه المبادئ والقيم بالثبات وتسمو فوق البشر وتوحدهم.

 

كان غاندى دائماً ما ينظر باحترام لقيمة العمل. لقد أوضح غاندى للودعاء كيف يمكنهم أن يستلهموا القوة من داخلهم، فكل ما يحتاجون إليه هو التمسك بالإيمان فى سكون وثقة والتصرف بشجاعة وتحديد الهدف.

 

قدم غاندى الصياغة العملية لمعتقداته فى إطار تاريخى واجتماعى معين. وسواء فى إنجلترا أو جنوب إفريقيا أو الهند، قام غاندى بتطبيق أفكاره على مواقف ملموسة. وسعى إلى إحداث تغيير حقيقى فى حياة البشر العاديين.

 

ودعونا لا ننسى أن غاندى لم يكن قديساً يقبع فى برجه العاجى، بل كان زعيماً سياسياً عظيماً. وكان يطلق عليه اسم "مهاتما" (الروح العظيمة) لأنه كان يمارس ما يدعو إليه، حيث كان يعنى بأفقر الفقراء وأضعف الضعفاء.

 

كانت قداسة غاندى انعكاساً لماديته، أى اهتمامه العميق بالظروف المادية للفقراء والمحرومين. كان توقه وتصميمه على تغيير العالم المادى الذى واجهه هو ما جعله يبدو كقديس لأتباعه. وبهذا المعنى، كان غاندى يمثل بحق فلسفة الكارما يوجا.

 

أطلق سوامى فيفيكاناندا على هذا المفهوم اسم "نارايانا سيفا"، أو خدمة الله من خلال خدمة الإنسان. وهو - على حد قوله - ما ينطوى على "رؤية الله وخدمته فى جميع البشر، هياكل الله الحية والمتحركة."

 

ويتساءل سوامى: "أين سنبحث عن الله؟ أليس جميع الفقراء والبؤساء والضعفاء هم أبناء الله؟ فلماذا لا نهتم بهم أولاً؟" لقد ترجم غاندى هذا الفكر الجميل إلى مفهوم أطلق عليه "داريدرا نارايانا سيفا"، أو خدمة أفقر الفقراء.

 

وإلى جانب هذا، تعد مبادئ التوافق المجتمعى واللاعنف هى الأفكار الأساسية التى نادى بها غاندى والتى لا تزال تتمتع بأهمية كبيرة فى عصرنا الحالى المضطرب. وإننى آمل اليوم أن يعيد المجتمع الدولى اكتشاف أهمية الرسالة الخالدة التى نادى بها المهاتما غاندى للبشرية جمعاء.

 

وسوف تظل أفكار المهاتما غاندى ومثله العليا تدوى وتجتذب المؤيدين لها فى كل مكان طالما بقى الصراع والظلم، واستمرت أشكال عدم المساواة والامتهان بين البشر، وظل الألم والمعاناة، ووجد العنف والكراهية مكاناً له.

 

ونذكر هنا الكلمات الملهمة التى نطق بها العالم ألبرت أينشتاين، أعظم علماء القرن العشرين، واصفاً المهاتما غاندى: "إن الأجيال المقبلة ستصدق بالكاد إن شخصاً مثله من لحم ودم مشى على أرضنا." لقد قرر المجتمع الدولى أن يحتفل باليوم العالمى لللاعنف فى هذا اليوم تخليداً لذكرى المهاتما غاندى، وهو ما يؤكد على أن الأجيال القادمة لن تنسى أبداً الرسالة الخالدة التى نادى بها المهاتما غاندى.

 

*****