خطاب السيد/ براناب موكيرجى، وزير الشؤون الخارجية فى افتتاح المقر الجديد لمعهد السلك الدبلوماسى

 

العالم اليوم: رؤية هندية

 

نيودلهى: 14 نوفمبر 2007

 

    إن الافتتاح الرسمى لهذا المقر الجديد لمعهد السلك الدبلوماسى يعد عملاً ذا بال بالنسبة لى أيما كان الوقت. ويتواكب هذا الحدث مع الذكرى المائة والثامنة عشرة لميلاد بانديت جواهرلال نهرو، مما يجعلها بداية مبشرة حقاً. لعب الزعيم نهرو، أول رئيس وزراء ووزير للشؤون الخارجية بالهند المستقلة، دوراً حيوياً فى تشكيل السياسة الخارجية للهند الحديثة، كما عنى شخصياً باختيار وتدريب مسؤولى السلك الدبلوماسى. ومع استلهام هذه المؤسسة لروح نهرو، أثق بأن معهد السلك الدبلوماسى مؤهل للاضطلاع بمهام تدريب الأجيال القادمة من دبلوماسى الهند وإمدادهم بالمعرفة والمهارات التى يحتاجون إليها لخدمة الأمة فى عالم اليوم.

 

إن العالم الذى يتدرب طلاب هذا المعهد للخدمة فيه يتسم بالتغير الدائم. إننا نشعر بالآثار الحادة لهذا التغير الآن أكثر من أى وقت مضى لأن عالم اليوم أصبح أكثر ترابطاً من ذى قبل. فقد أصبحت الاعتمادية المتبادلة إحدى سمات العلاقات الدولية اليوم. إن فكرة القوة، وهى فكرة ضرورية لفهم العلاقات الدولية فى أى وقت عبر التاريخ، قد تطورت أيضاً بشكل كبير ومصطلح "القوة الناعمة" الجديد نسبياً بات يستقطب اهتماماً كبيراً فى وزارات الخارجية فى كل أنحاء العالم.

 

أصبح العقل الهندى يشعر بالارتياح تجاه عملية التغير ومسألة الترابط. فقد أتاح المناخ الملائم الذى تم إيجاده منذ منتصف الثمانينات، وخاصة منذ عام 1991، للقائمين على المشروعات والخبراء الهنود دفع حركة التغير وخلق الثروات وفرص العمل على نطاق غير مسبوق. وفى نفس هذا السياق، فإن التحدى الذى يواجه العمل الدبلوماسى الهندى فى عالم اليوم، الذى يتسم بالاعتمادية المتبادلة، هو تعزيز القوة الناعمة للهند لإيجاد المناخ الخارجى الصحيح وتمكين الهند من السعى فى إثر أهدافها القومية بنجاح. وإننى على ثقة بأنه من خلال جهود هذا المعهد ودعم الجهات الأخرى المؤثرة فى السياسة الخارجية، مثل البرلمان والإعلام والمجتمع الأكاديمى، سنتمكن من تحقيق هذا الأمر.

 

من الأمور التى تدعو للأسف أن عالم اليوم لا يوجه جل اهتمامه لتوسيع آفاق الاقتصاد والتكنولوجيا، إذ أنه يواجه العديد من الأخطار والآفات مثل الفقر، والتدهور البيئى، وتقييد الحرية السياسية وحرية الاختيار، وتنامى التطرف وعدم التسامح، والإرهاب الدولى، وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومخاطر وقوع تلك الأسلحة بين أيدى جهات غير مسؤولة، والأوبئة، وأمن الطاقة، وتغير المناخ. وكثيراً ما يعتبر أسلوب معالجة بعض هذه التحديات تحدياً فى حد ذاته. وبالنسبة لبلد ديمقراطى نامى كبير يتسم بالتعددية ويقع فى منطقة تمر بالكثير من التحولات المؤلمة، لا تعتبر هذه التحديات هموماً أكاديمية، بل قضايا يومية حقيقية. وعلينا أن نتصدى لهذه القضايا من خلال العمل الدؤوب الخلاق بالتعاون مع لاعبين آخرين على الساحة الدولية.

 

ووفقاً لرؤيتنا، يكمن التحدى الرئيسى الذى يواجه عالم اليوم فى القضاء على الفقر ورفع مستوى معيشة الشعوب فى دول العالم النامى. فالكثير من الصناعات فى هذه الدول تحتاج إلى قدر كبير من التطور التكنولوجى حتى تصبح قادرة على المنافسة العالمية. ويواجه قطاع الزراعة تحديات الإنتاجية والتكنولوجيا وإدارة الموارد المائية الضعيفة ووضع معايير التسويق، فى حين تحتاج البنية التحتية إلى إصلاحات كبيرة. كما أن الحصول على موارد طاقة رخيصة وغير ضارة بالبيئة قد أصبح يشكل مشكلة رئيسية ويجب أن نضعها على رأس قائمة أولوياتنا. كما يجب أن تشتمل قائمة أولويات الدبلوماسية الهندية على تسهيل عملية التنمية وتشجيع التجارة وتدفق الاستثمارات وتأمين مصادر طاقة رخيصة وتوفير فرص الحصول على التكنولوجيا. وبينما تقع الأعباء الأساسية فى عملية التنمية على عاتق الدول، نحتاج إلى النهوض بمجالات الشراكة الدولية وتنميتها إلى أقصى درجة ممكنة.

 

أما التحدى الثانى فيتعلق بالمؤسسات. بينما يتمتع الناس بالحق فى اختيار منهج حياتهم، تعد الديمقراطية، من واقع التجربة الهندية، أمراً جوهرياً لإدارة التطلعات المتنوعة فى المجتمع التعددى. كما أنها ولا شك إحدى أفضل أدوات إدارة التغير الاجتماعى دون اللجوء إلى ثورات أو أعمال عنف. ومع زيادة الترابط والاعتمادية بين دول العالم، فإن التنوع الذى نراه على مستوى الدول ككيانات فردية سوف ينعكس بالضرورة وبشكل متزايد على المستوى العالمى. وإدارة هذا التنوع العالمى فى ظل الاعتمادية المتبادلة بين الدول يتطلب تطبيق المبادئ الديمقراطية على نظام الحكم العالمى أيضاً.

 

ولا تتطلع الهند إلى أقطاب جديدة، ولكن بالأحرى إلى نظام عالمى تعددى يعكس تنوع عالم اليوم ويتيح الفرصة للاعبين جدد حتى يسهموا فى إيجاد الحلول لمشكلات الغد. وفى هذا السياق، ينبغى أن يتماشى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مع حقائق الحاضر ويعكس آفاق المستقبل. إن تلك المؤسسة التى تقبع على رأس نظام الحكم العالمى تحتاج إلى الديمقراطية وينبغى أن تشغل الهند مكانها المناسب فى مجلس الأمن الموسع.

 

أولوية أخرى يجب التعامل معها ألا وهى الحد من مخاطر الحرب والصراع، ما لم يكن فى الإمكان القضاء عليها تماماً. ولا غنى عن الأمن والسلام للتصدى للتحديات التى سيواجهها المجتمع الدولى خلال السنوات القادمة. ونحن – الهنود - على وعى تام بالاضطرابات فى مناطق الجوار والحاجة إلى إحلال السلام فى المنطقة المحيطة بنا من أجل الإسراع بعملية التنمية فى هذه المنطقة. ومرة أخرى، تتقاطع الأولويات الدولية مع أولوياتنا القومية.

 

تعمل العلاقات الوثيقة والمصالح المشتركة بين الدول على تقليل توقعات الصراعات التقليدية. وفضلاً عن تلك الصراعات القديمة، بزغت فى الوقت الحالى مخاطر جديدة مرتبطة بانتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية والأوبئة مثل مرض نقص المناعة المكتسبة/الإيدز وأنفلونزا الطيور. إن انتشار أسلحة الدمار الشامل وإمكانية وقوعها بين أيدى الإرهابيين يجب أن نضعها على قائمة أخطر التحديات التى تواجه عالم اليوم. ولا يمكن التعامل مع هذه القضية من خلال التركيز على السيطرة على مصادر التكنولوجيا ووضع الضوابط بشأنها فقط. فما يطلق عليه "شبكة عبد القدير خان" قد سخرت من هذه الضوابط. نحن بحاجة إلى أسلوب جديد يقتضى نزع التسلح. لطالما أيدت الهند نزع التسلح العالمى، استناداً إلى مبادئ العالمية وعدم التمييز والالتزام الفعال.

 

ويتسم سجل الهند فى هذا الصدد بالانضباط والمسؤولية، ومن هذا المنطلق فإن مشاركتها فى قرار دولى جديد لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل يمكن أن يعزز الجهود الدولية فى هذا المجال. ومن منطلق وعينا بمسؤولياتنا، قمنا بإقرار نظام شامل للإشراف على الصادرات النووية يتفق وأفضل الممارسات الدولية، وأكدنا على التزامنا المعهود بنزع السلاح النووى من خلال ورقة العمل المقدمة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وإننا نؤمن بأنه يمكن صياغة اتفاقية دولية لمنع المبادرة باستخدام هذه الأسلحة، كخطوة على طريق تجريم استخدام الأسلحة النووية. وقد اُتبع هذا النهج عام 1925 فى "بروتوكول جنيف" الخاص بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية مما أدى فى النهاية إلى التخلص منها.

 

وختاماً، فإن إحدى الأولويات الضرورية لعالم اليوم، من وجهة نظرى، هى نشر الوعى، ليس فقط بين النخب السياسية، ولكن أيضاً بين شعوب العالم، بأن اختياراتهم وأفعالهم تؤثر على جميع من يعيشون على هذا الكوكب. ومن خلال هذا الوعى، يمكن إزالة الحواجز التى تقف حائلاً أمام تعاون دولى أكبر وتؤدى إلى إيجاد النظم والعمليات اللازمة لمواجهة التحديات الدولية مثل تغير المناخ وتأمين الطاقة. وهذا هو المجال الذى يمكن أن يعمل فى فلكه دبلوماسيو الهند. ومع ذلك، فهى عملية بالغة الدقة. إذ أن ضيق الأفق لا يمكن أن يؤدى إلى التواصل مع العالم. ومن ثم، فإننى أدعو دبلوماسيى المستقبل أن يعكسوا أفضل جوانب حضارة الهند فى تفاعلهم مع العالم.

 

فى عبارة خالدة، قال كريشنا، أفضل دبلوماسيى الهند: "إن حديث الدبلوماسى لا ينبغى أن يشوش عقل المستمع، بل ينبغى أن يكون محدداً ويوظف اللغة بشكل صحيح. ومرة أخرى، ينبغى أن يكون، كلما أمكن، ذا فائدة بالنسبة للمستمع.

 

وإننى آمل أن يكون حديثى قد عاد بالفائدة على الحضور هنا اليوم. وختاماً، أهنئ مسئولى وطلاب معهد السلك الدبلوماسى بهذا المقر الجديد. وليفتح المقر الجديد لمعهد السلك الدبلوماسى ذراعيه لاستقبال وتدريب الجيل الجديد من الدبلوماسيين الذين سيقودون الهند نحو آفاق جديدة.

 

شكراً لكم.

 

*****